"ولم أر مثل أبي جعفر الطرسوسي... زار قومًا فأكرموه وطيّبوه، وجعلوا في شاربه وسبَلته غالية (أخلاطًا من الطيب والمسك) فحكّته شفته العليا، فأدخل إصبعه فحكَّها من باطن الشفة، مخافة أن تأخذ إصبعه من الغالية شيئًا إذا حكَّها مِن فوق!".
ثم يقول معقبًا:
"وهذا وشِبهه إنما يطيب جدًا إذا رأيت الحكاية بعينك؛ لأن الكتاب لا يصوّر لك كل شيء، ولا يأتي لك على كنهه، وعلى حدوده وحقائقه".
ونحن في عصر المسرح، تفوتنا رؤية العيان لكثير مما يجري حولنا، ولكن لا تفوتنا في مسرح أو على شاشة... تُرى لو كان الجاحظ في عصر متأخر غير عصره- كعصرنا مثلًا- فيه مسرح وتمثيل وممثلون، ألم يكن يتمنى لقرائه- على قدرة قلمه الفائقة على تصوير ما يريد تصويره لهم- أن يشاهدوا الحكاية ممثلة، على خشبة أو شاشة، إن فاتتهم رؤية العيان في إبّان حدوثها؟.
هذه بعض أمثلة ومشاهد لا أزيد عليها- وأعيد بأن الحديث عن روحٍ مسرحية لا عن مسرح-.. ولكن أستميح القارئ وقفة قصيرة عند لغة الجاحظ- يكون فيها الختام- في نطاق ما تفرض عليه واقعيته، وما تأخذ فيه"شخصياته"المختلفة من أحاديث فيها الراقي وفيها العامي السوقي، فيُنطق كلًا بحسب حاله وطبقته والموقف الذي هو فيه، وهذه أولى خصائص الحوار المسرحي.. وفي هذا يقول الجاحظ نفسه:
"وإن وجدتم في هذا الكتاب- كتاب البخلاء- لحنًا أو كلامًا غير مُعرَب ولفظًا معدولًا عن جهته، فاعلموا أنّا إنما تركنا ذلك لأن الإعراب يُبغِّض هذا الباب ويخرجه من حده، إلا أن أحكي كلامًا من كلام متعاقلي البخلاء، وأشحاء العلماء، كسهل بن هارون وأشباهه".