فهرس الكتاب

الصفحة 13228 من 23694

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 61 - السنة 16 - تشرين الأول"أكتوبر"1995 - جمادى الأولى 1416

فهرس العدد

الفكاهة.. عندَ الجاحِظ 163-255هـ-780~ 869م - نصر الدين البحرة ... ردي علي فؤادي مثلما كانا

عندما ولي الخلافة المتوكل العباسي، بادر من فوره إلى اعتقال الوزير ابن الزيات (1) ، وأمر بتعذيبه حتى قضى نحبه في"تنّور" (2) ، وكان ذلك على يد قاضٍ من أكثر الناس بغضًا لابن الزيات هو"ابن أبي دؤاد". وعندئذ هرب الجاحظ. فلما جيء به إلى ابن أبي دؤاد سأله:

-لم هربت؟

قال الجاحظ:

-خفت أن أكون ثاني اثنين إذ هما في التنّور (3) .

فقال ابن أبي دؤاد:

-والله ما علمتك إلا متناسيًا للنعمة، كفورًا.

فقال الجاحظ:

-خفّض عليك! فوالله ليكون لك الأمر عليّ، خير من أن يكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن، خير من أن أحسن وتسيء، وأن تعفو عني في حال قدرتك لأجمل من الانتقام.

فقال ابن أبي دؤاد:

-قبحك الله، ما علمتك إلا كثير تزويق الكلام، جيئوا بحداد.

فقال الجاحظ:

-أعزّ الله القاضي، ليفكّ عني.. أو ليزيدني؟

قال:

-بل.. ليفك عنك.

وأتى الحداد، فغمزه أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ، ويطيل أمره قليلًا، فما كان من الجاحظ إلا أن لطمه وقال:

-اعمل عمل شهر في يوم، وعمل يوم في ساعة، وعمل ساعة في لحظة، فإن الضرر بساقي.

وضحك ابن أبي دؤاد وقال:

-إني أثق بظرفه، ولا أثق بدينه (4) .

هذا هو الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، سيد الفكاهة العربية والظرف والنكتة والسخرية والتهكم، لم يغب عنه حسّ الفكاهة، حتى وهو في أقسى الظروف وأكثرها حلكة. وكان قادرًا في الآن ذاته، من خلال الظرف والنكتة، على تحويل الموقف الصعب الحرج، إلى جانبه، واستطاع أن يُضحك حتى.. هذا الخصم اللدود.

الجاحظ.. سيد الضاحكين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت