لم يكن الجاحظ أول الضاحكين المضحكين في التاريخ، وإن يكن من سادتهم في الشرق والغرب. لقد لفتت ظاهرة الضحك هذه أنظار المفكرين والفلاسفة، منذ أقدم الأزمنة ابتداء بالفراعنة المصريين، ومرورًا بالإغريق ولا سيما أفلاطون في محاورته"فيليبوس Philebus وأرسطو وانتهاءً ببرغسون وبكوستلر."
وكانوا يختلفون دائمًا في تفسير ظاهرة الضحك والاتفاق على سبب أو أسباب في تأويلها"فالظاهر أن عدم التوصل إلى تفسير مقنع للفكاهة والضحك يرجع إلى حد ما على الأقل، إلى شدة تنوع وتعقد المواقف التي تثير الضحك بحيث يصعب رده إلى عدد محدود من الأسباب أو المواقف أو العوامل" (5) .
.. إذا صح هذا الكلام، فما ثمة فكاهة كفكاهة الجاحظ يمكن أن ينطبق عليها.. وما أكثر الأسباب والمواقف والعوامل المؤدية إلى الضحك عند الجاحظ، في مختلف مؤلفاته وأعماله، سواء منها العلمية الخالصة ككتاب"الحيوان"أو الضاحكة مثل"البخلاء"أو الكتب الأخرى مثل"البيان والتبيين".
مجريّان يناقشان الضحك
لقد لاحظ الكاتب المجري"جورج مايكيش"وهو يناقش آرثر كوستلر في مقالة عنوانها"أهمية الترويح عن النفس بالفكاهة والدعابة"أن الأمر"الذي يستوقف النظر في أي موقف من المواقف هو الشيء الغريب المتناقض الذي يثير الضحك، في حين يراه الآخرون مدعاة إلى الأسى" (6) .
ويتابع مايكيش قائلًا:
"منذ نحو 15 عامًا كنت أكتب أول رواية لي، فسألني أرثر كوستلر عن موضوعها فقلت له: إنها تدور حول رجل أكول له ولع شديد بالطعام كولع غيره بالشراب، فهز رأسه معقّبًا: موضوع جيد يناسب كافكا أكثر مما يناسبك، ولكنه جيد على كل حال".
ويستطرد مايكيش فيقول:
"من هذا التعقيب يتضح أن كوستلر لم ير في الموضوع سوى الجانب الذي يدعو إلى الأسى، في حين أنني رأيت فيه الجانب الذي يبعث على الضحك" (7) .