آ-فكاهة الأحداث والمواقف والأفعال عن طريق الرواية.
ب-الفكاهة اللغوية الصرف التي نقع بسببها في حبائل اللغة (27) .
وينطبق النمط الأول على حكاية"معاذة العنبرية". يقول الجاحظ (28) :
"ثم اندفع شيخ منهم- أي: من أهل مرو- فقال: لم أر في وضع الأمور مواضعها، وفي توفيتها غاية حقوقها، كمعاذة العنبرية. قالوا: وما شأن معاذة هذه؟ قال:"
أهدى إليها العامَ ابن عم لها أضحية، فرأيتها كئيبة حزينة مفكرة مطرقة، فقلت لها: ما لك يا معاذة؟ قالت: أنا امرأة أرملة، وليس لي قيّم، ولا عهد لي بتديير لحم الأضاحي، وقد ذهب الذين كانوا يدبرونه ويقومون بحقه. وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة، ولست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها. وقد علمت أن الله لم يخلق فيها ولا في غيرها شيئًا لا منفعة فيه. ولكن المرء يعجز لا محالة ولست أخاف من تضييع القليل، إلا أنه يجر تضييع الكثير. أما القرن فالوجه فيه معروف، وهو أن يجعل منه كالخطّاف، ويسمر في جذع من أجذاع السقف، فيعلق عليه الزُّبُل (29) والكيران (30) ، وكل ما خيف عليه من الفأر والنمل والسنانير وبنات وردان (31) والحيات وغير ذلك. وأما المصران فإنه لأوتار المندفة، وبنا إلى ذلك أعظم الحاجة. وأما قحف الرأس (32) واللحيان (33) وسائر العظام فسبيله أن يكسر بعد أن يعرق (34) ثم يطبخ، فما ارتفع من الدسم كان للمصباح وللإدام وللعصيدة ولغير ذلك. ثم تؤخذ تلك العظام فيوقد بها، فلم ير الناس وقودًا قط أصفى ولا أحسن لهبًا منه. وإذا كانت كذلك فهي أسرع في القدر لقلة ما يخالطها من الدخان. وأما الإهاب، فالجلد نفسه جراب، وللصوف وجوه لا تعدّ. وأما الفرث (35) والبعر فحطب إذا جفف عجيب..