فهرس الكتاب

الصفحة 13234 من 23694

"زعموا أنهم ربما ترافقوا وتزاملوا (19) ، فتناهدوا (20) وتلازقوا (21) في شراء اللحم، فإذا اشتروا اللحم قسموه قبل الطبخ، وأخذ كل إنسان منهم نصيبه فشكه بخوصة أو بخيط، ثم أرسله في خلّ القدر والتوابل. فإذا طبخوه تناول كل إنسان خيطه وقد علمه بعلامة، ثم اقتسموا المرق. ثم لا يزال أحدهم يسلّ من الخيط القطعة بعد القطعة حتى يبقى الحبل لا شيء فيه، ثم يجمعون خيوطهم، فإن أعادوا الملازقة، أعادوا تلك الخيوط لأنها تشربت الدسم فقد رويت وليس تناهدهم عن طريق الرغبة في المشاركة، ولكن.. لأن بضعة كل واحد منهم لا تبلغ مقدار الذي يحتمل أن يطبخ وحده، ولأن المؤونة تخفّ أيضًا، والحطب والخل والثوم والتوابل، ولأن القدر الواحدة أمكن من أن يقدر كل واحد منهم على قدر" (22) .

ومن هذا القبيل قصة الخراسانية التي يرويها أبو عثمان فقد ترافقوا في منزل وصبروا عن الارتفاق (23) بالمصباح ما أمكن الصبر، ثم إنهم تناهدوا وتخارجوا (24) ، وأبى واحد منهم أن يعينهم وأن يدخل في الغرم (25) معهم. فكانوا إذا جاء المصباح شدوا عينيه بمنديل، ولا يزال ولا يزالون كذلك إلى أن يناموا ويطفئوا المصباح، فإذا أطفؤوه أطلقوا عينيه (26) .

... وكما يبدو فإن في هاتين النادرتين اللتين رواهما الجاحظ في"البخلاء"إغراقًا وإغرابًا في البعد عن الأعراف الاجتماعية والروح العامة السائدة في المجتمع، يكاد يفوق الخيال.. لكنه.. على كل حال، ليس من الرذائل الأخلاقية، اللهم.. إذا لم نعدّ البخل في ذاته رذيلة أخلاقية.

أي خيال، هذا الذي يستطيع أن يتفتق، عن تعليم كل خيط لحم بعلامة، وعن تشبعه بالدسم، من المرة الأولى، كي يحتفظ الطعام بكامل دسمه في المرات التالية فلا يذهب شيء منه إلى الخيط؟!

.. ومثل هذا شدّ عيني من لم يدخل في غرم المصباح وكلفة زيته..!

الفكاهة.. واللغة..

لقد حدد بيرغسون نمطين من الفكاهة التي تكون فيها اللغة مجرد أداة توصيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت