الجاحظ أديب قبل كل شيء، والأدب متعدد الألوان، متنوع الموارد، غزير المادة، فيه القصص والنوادر والأخبار، وفيه الشعر والخطابة، وفيه الهزل والمزاح، وفيه الجدّ والوقار. والجمع الممتع بين هذه الأمور جميعها هو المنهج الذي عبر عنه الجاحظ في غير موضع من كتاب الحيوان. يقول في الجزء الثالث: (13) "على أني عزمت- والله الموفق- أني أوشح هذا الكتاب، وأفصّل أبوابه، بنوادر من ضروب الشعر وضروب الأحاديث: ليخرج قارئ هذا الكتاب من باب إلى باب، ومن شكل إلى شكل. فإني رأيت الأسماع تمل الأصوات المطربة، والأغاني الحسنة، والأوتار الفصيحة إذا طال ذلك عليها. وما ذلك إلا في طريق الراحة التي إذا طالت أورثت الغفلة. وإذا كانت الأوائل قد سارت في صغار الكتب هذه السيرة كان هذا التدبير لما طال وكثر أصلح. وما غايتنا من ذلك كله إلا أن يستفيدوا خيرًا".
إنه إذًا كالنحلة ينتقل من زهرة إلى زهرة، وما غايته من ذلك إلا دفع السأم والملل عن القارئ، وشده إلى الكتاب دائمًا، فالرتابة أيًا كان موضوعها تورث الغفلة. وإن كان أحمد أمين قد حمّل الجاحظ وحده تبعة هذا التشتت أو هذه الفوضى التي سادت التأليف في كتب الأدب، فلعلَّ في حكمه شيئًا من الجَوْر، لأن الجاحظ أشار صراحة إلى أن هذا المنهج قد ساد قبله في صغار الكتب.
والجاحظ يمزج في كتبه الجد بالهزل، والمزاح بالوقار، ولكن كلَّ شيء بمقدار، ولغاية محسوبة. يقول في الجزء الأول من كتاب الحيوان (14) :
"وقد غلطك فيه بعض ما رأيت في أثنائه من مزح لم تعرف معناه، ومن بطالة لم تطلع على غورها، ولم تدر لِمَ اجتلبت، ولأي علة تكلفت، وأي شيء أريغ فيها، ولأي جدّ احتمل ذلك الهزل، ولأي رياضة تجشمت تلك البطالة. ولم تدر أن المزاح جد إذا اجتُلب ليكون علة للجد. وأن البطالة وقار ورزانة إذا تُكلِّفت لتلك العاقبة".