فهرس الكتاب

الصفحة 13269 من 23694

"قال حين عوتب في قلة الضحك وشدة القطوب: إن الذي يمنعني من الضحك أن الإنسان أقرب ما يكون إلى البذل إذا ضحك وطابت نفسه" (41) .

إنه يقتصد في الضحك، بل يضن به على نفسه خشية أن يقوده على غفلة، إلى شيء من البذل، وهو لا يريده بطبعه.

وقصته مع محفوظ النقاش خفيفة الظل عذبة: قال الجاحظ:

"صحبني محفوظ النقاش من مسجد الجامع ليلًا. فلما صرت قرب منزله، وكان منزله أقرب إلى مسجد الجامع من منزلي، سألني أن أبيت عنده، وقال: أين تذهب في هذا المطر والبرد، ومنزلي منزلك، وأنت في ظلمة وليس معك نار، وعندي لبأ لم ير الناس مثله، وتمر ناهيك به جودة، لا تصلح إلا له. فملت معه. فأبطأ ساعة ثم جاءني بجام لبأ وطبق تمر، فلما مددت قال: يا أبا عثمان إنه لبأ وغلظُه، وهو الليل وركوده، ثم ليلة مطر ورطوبة، وأنت رجل قد طعَنت في السن، ولم تزل تشكو من الفالج طرفًا، وما زال الغليل يسرع إليك، وأنت في الأصل لست صاحب عشاء. فإن أكلت اللبأ ولم تبالغ، كنت لا آكلًا ولا تاركًا، وحرشت طباعك، ثم قطعت الأكل أشهى ما كان إليك. وإن بالغت بِتنافي ليلة سوء، من الاهتمام بأمرك. ولم نُعِدَّ لك نبيذًا ولا عسلًا. وإنما قلت هذا الكلام لئلا تقول غدًا: كان وكان. والله قد وقعت بين نابَيْ أسد. لأني لو لم أجئك به، وقد ذكرته لك، قلتَ: بخُل به وبدا له فيه؛ وإن جئت به، ولم أحذّرك منه، ولم أذكّرك كل ما عليك فيه، قلتَ: لم يُشفق علي ولم ينصح. فقد برئت إليك من الأمرين جميعًا. فإن شئت أكلت فأكلة وموتة، وإن شئت فبعض الاحتمال، ونوم على سلامة."

فما ضحكت قط كضحكي تلك الليلة. ولقد أكلته جميعًا فما هضمه إلا الضحك والنشاط والسرور فيما أظن. ولو كان معي من يفهم طيب ما تكلم به لأتى علي الضحك، أو لقضى علي. ولكن ضحك من كان وحده لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب." (42) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت