فهرس الكتاب

الصفحة 13270 من 23694

لقد قدم له صاحبه الطعام، ولكنه ظل يحاوره ويداوره، ويحذره ويذكّره، وينبّهه ويروّعه إلى أن سُقِط في يده، فأتى الجاحظ على كل شيء، وأمعن في الضحك.

وكان الجاحظ يكره الإفراط وتجاوز الحد في كل شيء. ولذلك علّق على حكاية ابن البخيل الذي غطى بخل أبيه وأخمل ذكره، كما سنرى، على شدة بخله، بما يبين المعقول والمقبول من سواه. وابتدأ الحكاية بكلمة:"زعموا"، التي تؤكد صفة الوضع والابتداع فيها. قال الجاحظ:"وحديث سمعناه على وجه الدهر. زعموا أن رجلًا بلغ في البخل غايته، وصار إمامًا، وأنه كان إذا صار في يده الدرهم، خاطبه وناجاه وفدّاه واستبطأه. وكان مما يقول له: كم من أرض قد قطعت، وكم من كيس قد فارقت، وكم من خامل رفعت، ومن رفيع قد أخملت. لك عندي أن تَعْرى ولا تَضْحى. ثم يلقيه في كيسه ويقول له: اسكن على اسم الله في مكان لا تهان ولا تذل ولا تزعج منه. وإنه لم يُدْخِل فيه درهمًا قط فأخرجه."

وأن أهله ألحوا عليه في شهوة، وأكثروا عليه في إنفاق درهم، فدافعهم ما أمكن ذلك. فبينا هو ذاهب إذ رأى حواءً قد أرسل على نفسه أفعى لدرهم يأخذه، فقال في نفسه: أُتلِفُ شيئًا تبذل فيه النفس، بأكلة وشربة؟ والله ما هذا إلا موعظة لي من الله. فرجع إلى أهله، ورد الدرهم إلى كيسه. فكان أهله منه في بلاء، وكانوا يتمنون موته والخلاص منه بالموت، والحياة بدونه.

فلما مات وظنوا أنهم استراحوا منه، قدِم ابنه، فاستولى على ماله وداره، ثم قال: ما كان أدم أبي؟ فإن أكثر الفساد إنما يكون في الإدام، قالوا: كان يتأدم بجبنة عنده، قال: أرونيها. فإذا فيها حزّ كالجدول من أثر مسح اللقمة. قال: ما هذه الحفرة؟ قالوا: كان لا يقطع الجبن، وإنما كان يمسح على ظهره، فيحفر كما ترى، قال: فهذا أهلكني، وبهذا أقعدني هذا المقعد. لو علمت ذلك ما صليت عليه. قالوا: فأنت كيف تريد أن تصنع؟ قال: أضعها من بعيد فأشير إليها باللقمة." (43) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت