ويعلق الجاحظ على هذه الحكاية المزعومة بقوله:
"ولا يعجبني هذا الحرف الأخير، لأن الإفراط لا غاية له. وإنما نحكي ما كان في الناس، وما يجوز أن يكون فيهم، مُثْلَه أو حجة أو طريقة. فأما مثل هذا الحرف فليس مما نذكره. وأما سائر حديث هذا الرجل فمن هذا الباب." (44) .
ويستبعد الجاحظ من نوادره ما ينسب من بخل إلى قوم لا يُعرفون بالبخل وإنما يتصرفون لقلة ذات اليد. فهؤلاء ليسوا ممن يقصدهم بالبخل. قال الجاحظ:"وقد عاب ناس أهل المازح والمدير بأمور: منها أن خشكنانهم من دقيق شعير، وحشوه، الذي يكون فيه من الجوز والسكر، من دقيق خشكار. وأهل المازح لا يعرفون بالبخل، ولكنهم أسوأ الناس حالًا، فتقديرهم على قدر عيشهم. وإنما نحكي عن البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر، وبين خصب البلاد وعيش أهل الجدب. فأما من يضيّق على نفسه لأنه لا يعرف إلا الضيق فليس سبيله سبيل القوم." (45) .
5-خاتمة:
عرضنا في السطور السابقة للفكاهة في أدب الجاحظ، بعد إطلالة على حياته وظروفها، وعصره وثقافته، ومنهجه في التأليف والكتابة، ورأينا أن مزج الجد بالهزل والوقار بالضحك والرصانة بالدعابة خاصية تمتاز بها كتب الجاحظ ومؤلفاته. ثم تتبعنا بعد ذلك بشيء من التقصي الفكاهة في كتاب البخلاء، فتحدثنا عن مضمونه ومنهجه وأسلوبه، وتوقفنا عند أبرز الصفات الفنية فيه. فتحدثنا عن البراعة في الوصف والدقة في التعبير وذكرنا نماذج من الوصف المادي، ونماذج من الوصف النفسي، وعالجنا خاصية السخرية التي وسمت أسلوب الجاحظ في كتاب البخلاء، وبينا عواملها ومثلنا عليها.