ولأن سلطة الخلفاء مستمدة من الشريعة فقد كانت شبه مقدسة، وكان ثمة توافق بين الدين والسياسة بحيث يكمل كل منهما الآخر، ومن راعى ذلك من الخلفاء والحكام حقق مبدأ الاستقامة والعدل، ومن هنا كان شعار العدل أعلى رايات الإسلام وأول ما أوصى الخلفاء بعضهم بعضًا بتحقيقه مقرونًا بلفظ"الحق"، وبه أوصوا العمال والولاة وقادة الفتح، حتى إن بعض الصحابة كانوا يحضون الخلفاء أنفسهم على ذلك (43) . وكان لا بد للعدل والحق من حاكم حازم لا يفرط بشيء ولا يتغاضى عن صغيرة أو كبيرة، وإلا كانت"الرِّدة"! وقد كانت فعلًا عند نفر ممن بقي في أفواههم طعم الجاهلية، أو ظنوا أن في العدل والمساواة تراخيًا وضعفًا. على أن مبدأ العدل الذي أنصف السواد الأعظم من الناس جرّأ بعضًا منهم على ما يمكن أن نسميه اليوم"المخالفات"أو"تعدي حدود الله"، كما شجع بعضًا منهم على مهاجمة السلطة الإسلامية أو رموزها بغير حق. يقول أبو منصور الثعالبي من ذلك على الشاعر أبي الحسن اللحام:"لم يسلم أحد من الكبراء والوزراء والرؤساء من هجائه إياه، وكان لا يهجو إلا الصدور (44) ."
ويقول غيره:"وكان السخط على السلاطين والملوك يبلغ أحيانًا عند بعض الشعراء حدًا يجعلهم يَعُمّونهم به غير مفرقين بين مصلح وفاسد، فإذا هم يهجونهم جميعًا على شاكلة يوسف بن محمد الجلودي الرازي في قوله:"
لا يَصْحبنّ ملوكَنا إلاّ امرؤ
فلهم لديهم زُلْفة ومنالة ... ولمن تحرّج واستعفّ كساد
والبيتان يمسخان الملوك حينئذ مسخًا، وكانوا كثيرًا ما يهجون البلدان وأهلها" (45) . ... فيا عجبًا ما بال دين أبي بكر"
والشاعر الحطيئة كان من السباقين إلى رفع الصوت بمثل هذا حين قال للخليفة أبي بكر:
أطعنا رسول الله إذ كان صادقًا
ليُورِثها بكرًا إذا مات بعده ... فتلك وبيت الله قاصمة الظهر (46)
ومن نماذج هذا الهجوم المؤذي ما نجده عند دعبل الخزاعي كقوله (47) : ... وآخرٌ جاء لم يفرح به أحد
خليفة مات لم يحزن له أحد