فهرس الكتاب

الصفحة 13332 من 23694

ولكن الازراء بالقيم وبالأخلاق العامة يُخرج المسألة من محراب الإبداع، سواء أكان الإبداع التزامًا أو ترفًا، لأن هذه العبثية خطرة حين تتصدر بديلًا عن القضايا المصيرية، ولأنها افتئات تتبرأ جدية العقل منه، ومحاولة إقامة تضاد مفتعل بين ما يمكن أن يسمى بالمقدس والمدنس، ولم يكن بين السلطة والإبداع حاجز أو هوة من هذا القبيل، بل كان بينهما ارتباط ولو بحسبان، وارتباط الإبداع بالمقدس لم يغفل الواقع، فالإبداع العربي حاول دائمًا أن يجد للواقع وأهله حلولًا ومخارج في النص المقدس ومن خلاله، وكان الدين الإسلامي في جوهره غنىً إبداعيًا بكل المعايير والتقويمات والحيوية الفكرية التي بدت تغتلي بتجليات القلق الفكري وبفرز الفرق والأحزاب والمدارس والجدل وعلم الكلام والأفكار والاجتهادات والحِجاج.. في الوقت الذي كان العالم وكأنه بحيرة من القيلولة العقلية والخمول الفكري. ونستطيع أن نقرر -بشيء من التسامح- أن قدرًا معقولًا من حرية الرأي والاحتكام إلى الحق كان متوافرًا ومُمَارسًا بين الحاكم والمحكوم، مبدعًا كان أو من عامة الناس، ولتعزيز هذا الرأي يمكن أن نتأمل بعض الأخبار لنستخلص منها وجهًا من وجوه الحقيقة. من ذلك ما قيل عن أبي المختار (يزيد بن الصَّعِق الكلابي- مخضرم) إنه شكا لعمر بن الخطاب عمّال الأقاليم، فقال:

أبلغْ أمير المؤمنين رسالة

فلا تدَعَنْ أهل الرساتيق والقُرى ... يسيغون مال الله في الأُدْم والوَفُر

فأرسلْ إلى الحجاج فاعرِفْ حسابه ... وأرسل إلى جزْءٍ وأرسل إلى بِشْر

والمقصود بالحجاج هنا ابن عَتيك الثقفي، عامل الفرات، وجزء: عامل سُرِّق. وبعد أن يذكر عمال جنديسابور، والأبلّة، وأصبهان، ومُناذر. والأهواز، والبحرين يقول: ... فأنّى لهم وفر، ولسنا بذي وفر!

نؤوب إذا آبوا ونغزو إذا غزوا

إذا التاجر الهنديّ جاء بفأرةٍ ... من المسك راحت في مفارقهم تجري

فدونك مالَ الله لا تَتْرُكَنَّه ... سَيَرْضَون إن قاسمتهم منك بالشطر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت