وكانت الفكرة السائدة لديهم أن العوامل الطبيعية كحركة الكواكب والأفلاك ومطالع النجوم وهبوب العواصف وتحركات الرياح، وهطول الأمطار أو حصول الجفاف، بالإضافة إلى طبيعة الأرض والمياه المتوافرة فيها، كلها من الأسباب أو العلل الرئيسية لتغير الأبدان وتحولها عن حد الاعتدال، الذي هو دليل الصحة والعافية. ولهذا السبب كان لابد للطبيب من أن يدرس العلوم الطبيعية ومنها علم الفلك.
وفي منتصف القرن الثالث للهجرة ظهرت أول موسوعة طبية باللغة العربية هي كتاب فردوس الحكمة لعلي بن سهل ابن الطبري (المتوفى سنة 869م) . وقد اقتبس هذا الطبيب فقرات كاملة من كتاب أبقراط (الاهوية والمياه والمساكن) ، ضمنها في كتابه المذكور، ولكنه لم يبين أكان نقله هذا عن الكتاب الذي ترجمه حنين بن اسحق، وهو معاصر له، أم اقتبسه من مرجع آخر.
وسنورد فيما يلي بعضًا من هذه الفقرات كما جاءت في كتاب فردوس الحكمة (صفحة ـ 501) .
يقول ابقراط:"إن الأبدان تتغير بتغير الأزمان وباختلاف البلدان والمياه، ويتغير الزمان بمطالع النجوم ومغاربها، وإن معرفة الأزمان هي أصول الطب وأساسه، وأن الأولين كانوا يحكمون أولًا معرفة حركات النجوم وآثارها ثم يتعلمون الطب".
ويتابع القول في موضع آخر:"إذا دخل الطبيب مدينة فينبغي أن يعرف موضعها شرقية هي أم غربية، شمالية أم جنوبية، وأرضها معشبة هي أم جرزاء، وماؤها جار أو غير جار، وصخري هو أو رملي، عذب أو متغير...".