فهرس الكتاب
إن مراعاة التناسب بين الدال والمدلول في تاريخ الجمالية النقدية يبدو نسقًا بالمعنى، من حيث إن السياق العام كان يفرض عليهم الممارسة التحليلية دون مراعاة التحكم الدقيق في وضع المصطلحات المفهومية التي تستجلي الحمولة المعرفية، والتي شكلت الدلالة اللفظية. لذلك كان شغلهم الشاغل توافر المطلب الجمالي في التنسيق بين الشكل ومضمونه. ونحن بذلك نستطيع أن نطلع على طبيعة هذا التناسق، والنص الإبداعي فيما يراه النقد القديم لا يؤسس وفق هذا المنظور وهو ما أشار إليه أبو هلال العسكري (ت 395هـ) حين تعرض لطبيعة الفاعلية الإبداعية بقوله:"فإذا أردت أن تعمل شعرًا فأحضر المعاني التي تريد نظمها في فكرك، وأخطرها على قلبك، واطلب لها وزنًا يتأتى فيه إيرادها وقافية يحتملها، فمن المعاني ما تتمكن من نظمه في قافية ولا تتمكن منه في أخرى، أو تكون في هذه أقرب طريقًا وأيسر كلفه منه في ذلك، ولأن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجيء سلسًا سهلًا ذا طلاوة ورونق خير من أن يعلوك فيجيء كزًا فجًا، ومتجعدًا جلفًا. فإذا عملت القصيدة فهذبها ونقحها، بإلقاء ما غث من أبياتها، ورث ورذل، والاقتصار على ما حسن وفخم، بإبدال حرف منها بآخر أجود منه، حتى تستوي أجزاؤها وتتضارع هواديها وأعجازها" (22) .
إن السياق المعرفي للجمالية العربية يقوم على المدركات الحسية انطلاقًا من انعكاس مواصفات الاستحسان والذوق والجمال من الأشكال على المضامين والجواهر في قوة مشاهدتها الحسية، عبر إيحاء اللفظة من المدلول الحسي إلى المعنوي على حد ما جاء به جورجي زيدان بقوله:"وعندي أن الدلالة الحسية هي الأصل والمعنوية هي الفرع، حملت مجازًا لتشابه في الصور الذهنية لأن المحسوسات أول ما يستلفت انتباه الإنسان، هي سابقة في ذهنه على المعنويات، لأنه في أبسط أحوال عيشه لم يكن في احتياج إلا للمعاني الحسية (23) ."