فهرس الكتاب

الصفحة 13371 من 23694

إن مكانة الأطر الجمالية ماثلة بوفرة في سياق حديثهم عن فنيات التعبير التي تحدد جوهر اللفظ الفني، لذلك كان حديث نقادنا عن مقاييس الصيغة الفنية منصبًا على مدى قدرة الشاعر على التصوير وفق الأسس الجمالية التي يتحكم فيها التناسب في بناء العبارة، ولنا أن نستشهد لهذا بكل ما ورد عنهم في أثناء تعرضهم إلى مكانة اللفظ في استحسان صورته السمعية بما تحمله من دلالة قصدية بحيث"يكون إذا ارتسم في الخيال مسموع اسم، ارتسم في النفس معنى، تتعرف النفس أن هذا المسموع لهذا المفهوم، فكلما أورده الحس على النفس التفتت إلى معناه" (19) معنى ذلك أن جميع أبنية اللغة في المنظور النقدي القديم كانت تقوم على أسس معمارية محكمة، لذلك أعطوا مكانة خاصة للذوق بخاصة التفضيلات الفنية للجانب الشكلي، والشاعر عندهم من كان يتمتع بالقدرة على اختيار الألفاظ. وقد تصوره ابن طباطبا (ت 322هـ) كالنساج الحاذق الذي يفوف وشيه بأحسن التفويف وينيرهُ ولا يهلهل شيئًا منه فيشينه (20) إن التركيز على جمالية الأداء التعبيري عند نقادنا القدامى والقائمة غالبًا على مفهوم التناسب أو التناسق، كان بدافع وعيهم بأن ذلك يمد الصياغة اللفظية بالدفء والخصوبة، لكون القدرة الإبداعية هي قدرة على توفير هذا المفهوم -التناسب- فقدامة بن جعفر (ت 337هـ) يقسم كتابه تقسيمًا ثنائيًا؛ فاعتمد أولًا ذكر النعوت الواجبة في الشعر، ثم أتبعها بذكر العيوب، وكأنه بذلك قد حدد الأسس الجمالية التي يقوم عليها الشكل الشعري ببيانه للعيوب التي يجب تلافيها. وإن كان قدامة لم يذكر أيضًا الجمال كمصطلح صريح إلا أنه قنن للصناعة الشعرية من خلال أسس ومعايير تعد من القيم الجمالية. فهو مثلًا يشير في تعريفه لبعض الأساليب البديعية"كالتقسيم"و"المقابلة"و"التفسير"إلى مراعاة عدم الوقوع في المخالفة وضرورة المناسبة بين أقسام هذه الأساليب (21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت