فهرس الكتاب

الصفحة 13370 من 23694

وإذا أردنا أن نقترب من تصور نقادنا لهذه الظاهرة من خلال تعريفهم للشعر فإننا نجدهم -بدون استثناء- قد أفصحوا بشكل أدق عن رأيهم في إعطاء معنى الطبع والتكلف صورتهما الدلالية لتحديد مجال لغة الشعر بالكيفية التي تؤثر في النفوس (جماليًا) ، من ذلك أن ظاهرة الطبع قد بسطت سلطانها على الثقافة النقدية، ولعل في رأي المرزوقي ما يبرهن على اهتمامهم بالطبع دون التكلف وربما كان تمسكه بالطبع ناتجًا عن أمرين هامين: أولهما أن الطبع عنده صفة مائزة للتفرقة بين الشعر الجيد والشعر الرديء، والثاني أنه يركز على ما في الشعر من انسجام في التصور، لأن الشاعر والمبدع على وجه العموم لا يعمل جهده الفكري في تصور الشيء بما يقع عليه حسه، وإنما بما تفرضه عليه الأطر الجمالية الفطرية، وذلك كما ورد في قوله مميزًا بين الطبع والتكلف:"والفرق بينهما أن الدواعي إذا قامت في النفوس وحركت القرائح أعملت القلوب، وإذا جاشت العقول بمكنون ودائعها، وتظاهرت مكتسبات العلوم وضرورياتها نبعت المعاني وردت أخلاقها، وافتقرت خفيات الخواطر إلى جليات الألفاظ. فمتى رفض التكلف والتعمل، وخلي الطبع المهذب بالرواية المدرب في الدراسة، لاختياره فاسترسل غير محمول عليه، ولا ممنوع مما يميل إليه، أدى من لطافة المعنى وحلاوة اللفظ ما يكون صفوًا بلا كدر، وعفوًا بلا جهد، وذلك هو الذي يسمى المطبوع، ومتى جعل زمام الاختيار بيد التعمل والتكلف عاد الطبع مستخدمًا متملكًا، وأقبلت الأفكار تستحمله أثقالها، وتردده في قبول ما يؤديه إليها، مطالبة به بالإغراب في الصنعة وتجاوز المألوف إلى البدعة فجاء مؤداه وأثر التكلف يلوح على صفحاته وذلك هو المصنوع" (18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت