فهرس الكتاب

الصفحة 13387 من 23694

وبهذا كله فإن الأفراد الذين سلكوا طريق الصفات المرذولة قد شوهوا انتماءهم إلى القبيلة والأرض والمقدسات، بل أصبح انتماء مزيفًا؛ ومهما حاولوا إخفاءه لا بد من أن يُكشفوا وسيُنبذون في جماعتهم.

بهذا الوعي ندرك كيف ينصهر الفرد بالجماعة، وكيف يصبح المجموع عند الشاعر المنتمي مساويًا للذات... ولهذا كان الشاعر ملزمًا بالدفاع عن قبيلته وقيمها، وهو التزام أدبي وطوعي، بل ندرك لماذا كانت القبيلة تحتفل بشعرائها حينما ينبغون فيها، فتقيم الولائم والاحتفالات احتفاء بولادتهم، كما قال ابن رشيق:"كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتهم، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم. وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ، أو فرس تنتج" (4) .

من هذا النص ندرك أن القبائل العربية على اختلافها تظل متوافقة؛ لاتفاق الجوهر الأصيل فيهم، والمتمثل بانتمائهم إلى جذر واحد، وأرض واحدة، ومقدسات واحدة، على شدة التنابذ بينهم على مصادر المياه، لأن الماء يمثل لهم الحياة؛ وحياتهم قائمة على النُّجْعَة (5) ... ومن هذه الحياة ولدت لديهم ظاهرة الأحلاف التي تجمع عددًا من القبائل ذات الانتماء المشترك (الأصل الواحد) غالبًا؛ لتصبح قادرة على حماية نفسها تجاه الأحلاف الأخرى... إذ لا مكان للضعيف... ولهذا امتُدحت لديهم القوة والمنعة والقدرة والشجاعة وكثرة العدد... واحتمى كثير من الأفخاذ والعشائر الصغيرة تحت جناح الانتماء الأكبر، أو القبائل الكبرى، وشاع ذلك بين القبائل... ولمّا تنازعوا على الوجود كانوا يدركون أنه من أصل انتمائي واحد... ولكن لا بد مما لا منه بد... مع العلم أنهم لم يهتدوا إلى مصطلح لغوي واحد وجامع لأصولهم إلا قبيل مجيء الرسالة الإسلامية، وهذا كله ما سيجليه البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت