ومن هنا فإن منطق العقل في دراسة الانتماء وربطه بالقيم العربية في القصيدة الجاهلية يؤدي دائمًا إلى تشاكل الضدين؛ فالانتماء الفاعل يرتبط بالصفات المحمودة؛ من حسب شريف ماجد، ونسب أصيل كريم، وعزة ومروءة ووفاء وقدرة وشجاعة وإخاء، وكثرة عدد وإجارة ونجدة، وفخر بالحِلْم والسيادة... ودعوة إلى الثأر أو إلى السلم... ولكن الانتماء لا ينزع علاقته من الخلال المذمومة كالكذب والنفاق، والغش والغدر والخيانة، والظلم والفقر والاغتراب والبخل... فكل من يسلك بعض مسالك هذه الصفات قد لا يفقد انتماءه للمجتمع أو الأرض... والشعر الجاهلي بهذا الاتجاه وذاك كان مخلصًا للجماعة والعصر؛ لأنه صياغة جمالية لتجربة وجدانية واجتماعية في ضوء التصور الأخلاقي لأبنائه.
وفي ضوء القيم الفاضلة التي آمنوا بها، وجدنا أن كل قيمة خيرة وحسنة ضاعفت الانتماء حسنًا وفاعلية، ونال الفرد بها مكانة أسمى وأرفع في قبيلته أولًا، وفي نفوس العرب ثانيًا. فحاتم الطائي، صار مضرب المثل في الجود عند العرب قاطبة، فزهت به قبيلته، وعلا ذكرها... وعنترة صار مضرب المثل في الشجاعة لدى القبائل كافة... وفي ضوء الصفات المرذولة وجدنا أن كل سلوك شرير أزرى بصاحبه، وهدّد انتماءه إلى قبيلته مهما كانت مكانته فيها، فعُروة بن الورد العبسي على شرفه ومنزلته في قومه وعلى الرغم من دعوته في الصعاليك دعوة إنسانية، فإن عبسًا لم تكن لترضى عن سلوكه في اعتراض أرزاق الناس وسلبها في زمرة من الصعاليك والفقراء؛ وطرفة بن العبد على منزلته في بكر ما كان إسرافه وتبذيره لمال أهله في شرب الخمرة ليرضي قومه،... وظاهرة الخُلَعاء ما كانت لتوجد لو آمنت القبائل العربية بأن الجرائر التي يرتكبها المخلوع لا تهدد الجماعة والانتماء إليها (3) ....