ولذلك كله لا بد لنا حين ندرس الشعر الجاهلي من أن نضع أيدينا على العناصر الشعرية لما ينطق به الشعر في دلالته المباشرة وإيحاءاته الفكرية البعيدة. وبهذا الفهم لمنطلق دراسة الشعر الجاهلي ندرك أن الانتماء عند الجاهلي حس مرتبط بالقبيلة (المجتمع) وبالأرض (الوطن -على نحو من الأنحاء) وتتصل بها موارد المياه، والمقدسات (الوحدة الدينية الجامعة للقبائل، والمتمثلة بمظاهر كثيرة) (1) ، يتفاعل معها جميعًا، ويتوق إليها في حله وترحاله. ولا ننتظر من الجاهلي أولًا ومن الشاعر الجاهلي ثانيًا أن يقول لنا: إنه منتمٍ؛ فهو بالضرورة منتمٍ إلى قبيلة يشيد بأرومتها وأمجادها... و.... وينافح عنها بالسيف واللسان...؛ ومنتمٍ إلى أرض ولد فيها وترعرع فوق ثراها، فكوّن ذكريات لا تفارق مخيلته...؛ وهو منتمٍ إلى تلك المصانع والآبار والغدران؛ يرودها ويصدر عنها فيبذل الغالي والرخيص لحمايتها؛ لأنها تعني له الحياة... وهو منتمٍ إلى كل شيء مقدّس في أعرافه، سواء كانت الكعبة أم غيرها... فالجاهلي -بهذا المفهوم الذي سقناه- لم يعد فردًا معزولًا في أرض دون أرض، أو في جماعة دون جماعة، بل غدا في ذاته الفردية جزءًا منصهرًا في كيان أكبر يقال له الذات الجماعية، وحريته تنتهي عند حدود مصالحها، ووجودها (2) ... فهو يتطلع أبدًا إلى العيش فيها، ويؤمن بأنها قمينة باعتزازه، وهي موئله في الشدة والرخاء يحتمي بقيمها وفضائلها ويسعى إلى التضحية في سبيلها.