ومن هنا كان عليَّ أن أبرز ظاهرة الانتماء من خلال ارتباط الفرد بقبيلته، وعلاقة هذا الارتباط بالفضائل لا بالرذائل؛ فالانتماء الصحيح -قديمًا وحديثًا -يعمق القدرة على الانتقال إلى كل ما هو جميل، ويحوّل السلوك عند الأفراد من الرديء إلى الحسن الجيد. وإذا كان التفصيل في الحديث ليس من وجوه القول في بحث كهذا فإنه يترتب على المرء أن يخلص من الارتباط الفردي الضيق إلى الارتباط الجماعي إلى الجوهر الواحد المحس بكلمة (عرب) ؛ فعلى شدة الاقتتال على موارد الماء ومنابت الكلأ (الأرض) أو (الوطن) ظلت الوشائج تتعاظم اتصالًا، ليصبح الانتماء الخاص والعام جوهر الصراع الحقيقي، ولتصبح الأرض التي اشتد الصراع عليها صورة للتضامن والالتقاء بين القبائل ولا سيما حين يبرز الخطر الخارجي من خارج جذر الانتماء...
وبهذا تصبح الأرض التي تعيش فيها كل قبيلة جزءًا مكملًا للأرض العربية في كل مكان، ويصبح مجموع الأجزاء صورة من الانتماء العربي كله.
وهذا كله يدعونا إلى بيان وجوه القول في هذه المسألة لننتقل بعدها إلى عرض أمثلة شعرية يزدان بها جوهر الانتماء... ولكي ندرك هذا الجوهر في انتماء الفرد إلى القبيلة وانصهار الذات الفردية بالذات الجماعية لا بد لي من أن أعيد إلى الأذهان مفهومًا قديمًا عند أرسطو. فأرسطو لا يفترض أن تحقق له (التراجيديا) أي نوع من أنواع اللذة، ولكن تحقق له اللذة الخاصة بها (6) ..