وهذا يعني لنا أن الشاعر الجاهلي المنتمي إلى جماعة ما أيًا كانت منزلتها بين القبائل والجماعات يحقق لذته هو، وطموحاته هو؛ لأنه غدا اللسان المعبر عن حالها وتطلعاتها... ولما كانت هذه رسالة طوعية كان لا بد له من أن يعمق في أفرادها القيم الإيجابية؛ ليزيد في ارتباطهم بالجماعة التي ينتمون إليها، فيحسنوا الدفاع عنها... وبهذا كله فموضوعاته كل شيء يتصل بهم وبها، ولعل ابن رشيق قد وصل إلى هذا حين علّل نشأة الشعر عند العرب بقوله:"وكان الكلام كله منثورًا فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها، وطيب أعراقها، وذكر أيامها الصالحة، وأوطانها النازحة، وفرسانها الأنجاد، وسُمَحائها الأجواد، لتهز أنفسها إلى الكرم، وتدل أبناءها على حسن الشيم، فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تمَّ لهم وزنه سمَّوه شعرًا؛ لأنهم شعروا به" (7) .
بهذا الشكل يصبح التزام الشاعر وغيره بالجماعة التزامًا بوجودها وأهدافها وتطلعاتها. هذا هو الشرط الأول للانتماء الفاعل، أما الشرط الثاني فيلتزمه الشاعر في شعره؛ ليصبح شعره استجابة فطرية وموضوعية لتلك الآمال العريضة للجماعة؛ فشعره يمس حياتها على نحو مباشر أو غير مباشر... ولهذا يمتنع على الشاعر أكثر من غيره أن يهدد حياة القبيلة (الجماعة) -وهو الانتماء الأول- وقيمها، أو أن يهدد أرومة أفرادها -وهو الانتماء الثاني- وإن انحرف غيره عن الجادة... ومن هنا نفهم قول دريد بن الصمة في الدفاع عن قبيلته؛ حيث يقول (8) :
وما أنا إلا من غَزِيَّة إن غَوَتْ