فهرس الكتاب

الصفحة 13391 من 23694

فالشاعر الجاهلي يصل مجد قومه بنسبها القديم، والعزة عزة متصلة، ويفخر أن يكون واحدًا من تكوين هذه الأرومة، وذلك المجد الموروث عن الآباء والأجداد، لا يتردد في أي أمر تسنده إليه، فأي طلب يحقق لها السيادة فهو فداء لهذه السيادة، وإن أساءت إليه جماعته غفر لها ذنبها؛ لأنه ما خُلِق إلا لها كما يقول معاوية بن مالك بن جعفر (9) : ... حُشُد لهم مجدٌ أشمُّ تليدُ

إني امرؤٌ من عُصبة مشهورة

ألْفوا أباهُمْ سيدًا وأعانهم ... كَرَمٌ وأعمامٌ لهم وجُدودُ

إذ كلُّ حي نابتٌ بأرومة ... نبْتَ العِضاه فماجدٌ وكسيدُ

نُعْطي العشيرةَ حقها وحقيقها ... فيها ونغفر ذنبها ونسودُ

وإذا تُُحمّلنا العشيرة ثِقلها ... قمنا به، وإذا تعود نعودُ

في بداية النص يبرز انتماءه إلى جماعة ذات مجد عظيم وقديم، ثم يعود إلى تأكيد انتمائه حين يوضح أن كل فرد منتمٍ إلى أرومة عظيمة... وهذا الانتماء هو الذي يحمّله مسؤولية الدفاع عما ينتمي إليه دون تأفف أو تردد، ثم يبرز كيف يتهاون بحقه الفردي دون أن يتهاون بحق جماعته, وإذا ما اصطدمت رغباته وآماله بمصلحة قومه تخلى عن كل ما يرغب فيه لحساب الجماعة... وهذا ديدنه أبدًا. ... دعائمَ مجدٍ كان في الناس مُعْلمًا

ومظهر الانتماء هذا ليس حكرًا على قبيلة دون قبيلة أخرى، وهناك كثرة من الجاهليين، -والشعراء في طليعتهم- عبّروا عنه قولًا وفعلًا. فهذا عامر المحاربي يفتخر بأنه ينتمي إلى قوم حققوا لأبنائهم وأحفادهم تراثًا خالدًا من المجد؛ طبقت شهرته الآفاق، وهم يمتازون بأصولهم التي تخالطها هُجنة. وقد تمكّن هذا البناء الشامخ حتى صار الأحفاد في منزلة رفيعة لا يرتقي إليها غيرهم، وغدت القبائل الأخرى تحتمي بفنائهم، وكل من هِيْض جناحه لا يجد ملجأ إلا إليهم... وهم خير من يستجار بهم؛ فيقول (10) :

فأبقت لنا آباؤنا من تُراثهم

ونُرسي إلى جرثومةٍ أدركت لنا ... حديثًا وعَاديًا من المجد خِضرما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت