فهرس الكتاب
ثم يضيق الرياشي بهذا القبح فيهجر زوجته متبعًا هواه في قينة جميلة من قيان البصرة، يتعشقها، ويجد عندها ما لا يجد عند زوجته، وتكتب الزوجة لزوجها الهاجر مستردّة معاتبة، ويرد الرياشي على رسائل زوجته برسالة شعرية، يُفهمها فيها أن اجتماعهما ثانية أمر ميئوس منه، وهذا بعض ما جاء في رسالته: (53) ... ولا تقاسِنَّ بعدي الهمَّ والهلعا
لا تذكري لوعةً إثري ولا جَزَعا
ما تصنعينَ بعينٍ عنكِ قد طَمِحَتْ ... إلى سِواكِ، وقلبٍ عنكِ قَدْ نَزَعا
3-مكوناته: ... ـمِ إذا ما غدَوتُ كلَّ صَباحِ
آ-مكوناته الثقافية:
في مدينة البصرة ولد محمد بن يسير الرياشي وفيها أمضى حياته كلها. ولم يرشح إلينا في أي مصدر من المصادر أن ابن يسير غادر مدينته قط. كانت البصرة في زمنه واحدةً من الحواضر الثقافية الهامة التي حفل العصر العباسي بأمثالها، وقد اجتذبت أو أنبتت عددًا من العلماء الأفذاذ الذين تركوا لنا الكثير من المؤلفات والأسفار، ولم تقتصر مؤلفاتُهم وأسفارهم على علم بعينه بل تنوعت وتلونت لتضم علوم العصر كلَّها، وليست علومُ اللغة أهمَّ ما اشتهرت به البصرة وعلماؤها، وإن كانت هذه العلوم، علوم اللغة، واحدةً من أهم ما حفلت به هذه المدينة.
في هذه الأجواء الفوّارة المحتدمة عاش محمد بن يسير الرياشي، وكان واحدًا من أعلام الحركة الأدبية في مدينته. ونحن لا نعرف شيئًا عن حرفة احترفها أو مهنة زاولها، ولكننا نعرف، من خلال ما وصلنا من ترجماته، أنه كان واحدًا من الأدباء والرواة المشتغلين بالأدب، وهذا يدفعنا إلى القول إنه دفع كغيره من أضرابه من الأطفال إلى المعلمين، فتلقى علوم عصره الأولى من لغة ودين، ولكن مسيرة العلم وتحصيله لم تقف به عند هذا الحد بل تابع تحصيله في حلقات الدرس والعلم على أساطين اللغة والأدب، وقد لازم ابن يسير مجالس الأدب طوال حياته، مستمعًا أو محدثًا راويًا، ومما جاء في الأغاني: