فهرس الكتاب
"كنا في حلقة التّوزي، فلما تقوضت أنشدنا محمد بن يسير لنفسه..." (54) والتّوَّزي هذا واحد من أئمة اللغة والنحو في البصرة. لقد تحدد هواه واتضح فكان الأدب شغله الشاغل، وكان واحدًا من المشتغلين به، وقد ظهر اهتمامه باللغة والأدب جليًا واضحًا في بعض أشعاره التي حفلت بغريب اللغة وألفاظها التخصصية إن صحت العبارة (55) ، كما كان الجاحظ واحدًا من المعاصرين الذين رَوَوْا عن ابن يسير شعره وشعر غيره من الشعراء.
يقول أبو الفرج في أغانيه:"هجمت شاة منيع البقال على دار ابن يسير وهو غائب وكانت له قراطيس فيها أشعار وآداب مجموعة، فأكلتها كلها..." (56) ، إن هذا النص يصرح بوضوح، باهتمام ابن يسير بجمع الأدب وتدوينه، بل ربما غلبت عليه سمة الأديب أكثر من صفة الشاعر. وقد حفل شعره بمصطلحات الأدباء وأسماء أدواتهم، وها هو ذا في واحدة من قصائده يصور حزنه الكبير على ألواح الكتابة التي سرقها منه صديقه قُثَمُ بن جعفر بعد أن سكر، وكانت لا تفارق كُمَّه، يقول: (57) :
كنتُ أغدو بها على طَلَبِ العِلـ
هي كانتْ غذاءَ زَوْري إذا زا ... رَ ورِيَّ النّديمِ يومَ اصْطِباحي
أما علوم عصره الأخرى فيبدو أنها لم تشغله في قليل أو كثير، إنه لا يأبه بعلوم الكلام والمتكلمين كما أنه لم يشر إلى اهتمامه بغير الأدب، بل إنه يفصح عن ضيقه ببعض العلوم وأهلها، وها هو ذا يعبر عن برَمِه بجماعة من أهل الجدل كانوا إلى جانب حلقتهم في المسجد، يتصايحون في المقالات والحجج فيها، فيقول: (58) ... وعن صُنوفِ الأهواءِ والبِدَعِ
يا سائلي عن مقالةِ الشِّيَعِ
دعْ عنك ذِكْرَ الأهواءِ ناحيةً ... فليس مِمَّنْ شَهِدْتُ ذو ورع
ب-مكوناته النفسية: ... الطَّبْخُ والدَّلْكُ والمِعْصارُ والعكَرُ