فهرس الكتاب

الصفحة 13446 من 23694

يقول أبو الفرج في ترجمته:"وكان محمد بن يسير هذا شاعرًا ظريفًا من شعراء المحدثين،... وكان ماجنًا هجّاءً خبيثًا". (59) . فإلى أي مدى يصدق هذا الحكم على ابن يسير؟ بلى، كان ابن يسير ظريفًا، وربما كان ماجنًا هجاءً ولكنه لم يكن خبيثًا قط، وإن ما بقي لنا من شعره وأخباره لا يفصح عن إنسان خبيث الطويّة، شرسٍ مشاكسٍ يسعى إلى الشر أو الصدام مع الآخرين؛ بل يفصح عن إنسان طيب النفس، حلو المعشر، ميالٍ إلى البساطة والموادعة، مؤثرٍ للسلامة، شاء أن يعيش حياة بسيطة هادئة في محيط البصرة الصاخب الجيّاش، وهو في ذلك يصدر عن فلسفة حياتية واضحة بعيدة عن التعقيد. فالحياة قصيرة ولا تحتمل أن يبددها الإنسان بالجد والقلق والسعي وراء المال أو الجاه أو السلطان، بل عليه أن يَعْتَصرها مستلًا عصارة اللذة، دون أن يكلف نفسه عناءً أو جهدًا، ولِمَ الجهد وفيمَ العناء؟ لقد انسحبت هذه النظرة إلى الحياة على مواقفه الحياتية كلها، ولم يشذ عنها إلا في سعيه الدؤوب وراء العلم والتدوين ومجالس العلماء، وما أظن أنه فَرِقَ من حادث فَرَقهُ من اعتداء شاة منيعٍ البَقّال على داره وقضمها لكتبه ومدوناته. إن الاهتمام بالعلم والأدب هو الجانب الجاد الوحيد في مواقفه الحياتية، أما ما عدا ذلك فلا مكان للجد فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت