فهرس الكتاب

الصفحة 13447 من 23694

ومن البدهي أن هذه النظرة إلى الحياة لم تكن لتثير منازع الطموح في نفسه، وهذا ما دفعه إلى الإقامة في مدينة البصرة ولم يغادرها قط. ذلك لأن هذه المدينة حققت له كل ما كان يصبو إليه، ففيها من اللهو والقيان والنبيذ ما يكفي، وفيها من الولاة والرجالات من يفيء إليهم وينعم في ظلالهم، وفيها من العلم والعلماء ما يشبع نهمه ويروي ظمأه. لقد قعدت به هذه الفلسفة عن السعي إلى بغداد، قاعدة الخلافة التي يسعى إليها الشعراء من أقطار دار الإسلام كافة، وما شأنه بالبلاطات والقصور والوزراء والقواد إذا كان لا يطمح إلى مال أو جاه أو سلطان؟ إنه يعيش حياته يومًا يومًا بالوسائل المتاحة بلا جهد أو كلفة، وهذا المذهب الحياتي جعله إنسانًا متواكلًا متكئًا على غيره في قضاء حاجاته اليومية.

إنه محب للنبيذ شغوف به ولكنه لم يكن يكلف نفسه عناء نبذه أو شرائه بل كان يستسقيه من إخوانه وجيرانه (60) ، بل ربما استسقى من والي البصرة الهاشمي نفسه، وهل هناك كلمة أوقع في النفس من (يستسقيه) كما وردت في رواية ابنه في الأغاني؟ إنها تخفي في ظلالها السؤال أو الكُدْيَة ولكنه سؤال أديب وكُدية شاعر. ومن يسأل؟ إنه والي البصرة الهاشمي. وقد كان هذا الوالي كريم النفس محبًا للشاعر ملبيًا لسؤاله أو استسقائه، مسعفًا بما شاء من نبيذ. إن التواكل وذل السؤال عند ابن يسير أهون من معاناة صناعة النبيذ كما يقول: (61) .

كَمْ في عِلاجِ نَبيذِ التَّمْرِ لي تَعَبٌ

فصرتُ في البيت أسْتَسْقي وأطلُبه ... مِنَ الصَّديقِ ورُسْلي فيه تَبتدرُ

أبيات طريفة تنمُّ عن ظرافة وتواكل عجيب. ... حاجِي وأقْضي عليه حَقَّ إخواني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت