فهرس الكتاب
وكان لا بد للشاعر من التنقل في أزقة البصرة وأرباضها لقضاء حاجاته، وكان لا بد له من دابة تنقله، ولكنه لا يملك مثل هذه الدابة، وماذا يَضيره أن يستعير دوابّ جيرانه؟ ها هو يسأل جارًا له هاشميًا، حمارًا ليمضي عليه في حاجة له، ولكن جاره يمتنع عليه ويأبى أن يعيره حماره. إن هذا الامتناع لا يثير في نفس الشاعر أكثر من الشكوى، إنه لا يحفل كثيرًا بامتناع جاره عن إعارته الحمار لأنه يملك معادلًا لهذا الحمار، إنه يملك رجلين قويتين تغنيانه عن الحمار وتبلغانه ما يريد: (62)
إن كنت لا عَيْرَ ليْ يومًا يُبَلِّغُني
وضَنَّ أهلُ العَوَاري حينَ أسْألُهم ... من أهْلِ وُدِّي وخُلْصائي وجيراني
فإن رجليَّ عندي لا عدمتُهما ... رِجْلا أخي ثِقَةٍ مُذْ كان جَوْلاني
ولكن هل يستطيع ابن يسير أن يقلع عن هذه العادة، عادة الاستعارة، على الرغم من جَبْهِ بعضهم له بالمنع والرفض؟ ها هو ذا يعود ثانية ليستعير من مويس بن عمران بغلة له ليركبها في رحلة من رحلاته، مادحًا هذه البغلة، ناعتًا إياها بأجمل النعوت: (63) ... شَتَّى بدادِ شَتيتةِ الأوطانِ
أضْمُمْ عليّ مآربًا قد أصبحتْ
بزَفوفِ ساعاتِ الكَلالِ دليقةٍ ... سَفْواءَ أبدعَ خَلْقَها أبوان
إن هذا التواكل وعدم التعلق بالغنى جعل منه إنسانًا رقيق الحال، ولكنه يحمل في داخله شاعرًا مِفَنًَا لا يأبه كثيرًا بأهمية المال وأثره في نفسه ومظهره الخارجي. إنه يَلْبَس من الثياب ما يستر هذا الجسد، وينتعل ما يقيه الحفا، دون أن يقيم وزنًا كبيرًا لأناقته أو مظهره. وقد عاب عليه بعضهم انتعاله النعال البالية، فقال: (64) ... ورِضَائي منها بلُبْسِ البوالي
كَمْ أرى ذا تَعَجُّبٍ من نِعالي
ما وقاني الحَفَا، وبَلَّغَني الحا ... جَةَ منها فإنَّني لا أبالي