فهرس الكتاب
وربما كان هذا التواكل وعدم التعلق بالغنى ومظاهره سببًا في اتهامه بالبخل، فقد كان الشارع مُبَخّلًا عند الناس من معارفه، وكان واحدًا ممن ضرب الجاحظ بهم المثل بالبخل فقال:"وأين أنت من ابن يسير" (65) . ... له نخوة من نفسه وتكابدُ
وكان أبو الفرج واحدًا ممن رموا ابن يسير بالبخل أيضًا، وهو يروي حادثة طريفة في هذا المعرض، تدل على اشتهار الشاعر بذلك. إنه ينشد لأخوانه بعضًا من شعره في الكرم، فيقولون:"ما هذا التكارم؟"ثم ينهضون إلى بيته، فيأكلون ثمرًا كان عنده، ويحملون ما لم يستطيعوا أكله، فيشكوهم الشاعر إلى الوالي، فينصفه من أصدقائه العابثين ويرد عليه حقه الضائع (66) . وفي اعتقادي أن بخله هذا إنما نشأ من تواكله أو فقره أو خوفه من الجوع، فهو لا يملك مصدرًا للرزق ثابتًا.
ويقدم ابن يسير نفسه للآخر في صيغة العالم لا الشاعر المكتسب، فما أثر عنه تكسّبٌ بشعره كغيره من الشعراء، وإن مدح أحدًا فإنه لا يمدحه تكَسُّبًا بل يأتي المديح في معرض موقف حياتي، كما في حادثة أكل أصدقائه لتمره ومديحه لوالي البصرة لينصفه منهم. ولئن كان لا يتكسب بالمديح فإنه كان لا يتكسب بالهجاء أيضًا، لأنه ما كان شاعرًا هجَّاءً، لقد كان يهجو، ولكنه ما كان هجاءً مقذعًا خبيث اللسان، موجعًا كغيره ممن نعرفهم من شعراء الهجاء الذين كانوا يسلقون الناس بألسنتهم الحداد، فيبثون الخوف في النفوس ويبذل لهم المال اتِّقاءً لشرهم وخوفًا من هجائهم.