فهرس الكتاب
كان هجاء ابن يسير مرتبطًا بموقف حياتي يعيشه، فقد هجا أبا النّجم المغني وهو يوسف بن جعفر كما هجا امرأته، ولم يسلم من هجائه الحيوان أيضًا، ولكن هجاءه لا يبلغ به حدّ الفحش أو القذف أو استخدام اللفظ المقذع، إنه هجاء غير موجع أقربُ إلى المداعبة، وأنت لا تقع فيه على ألفاظ مقذعة، اللهم إذا استثنيت بيتين من الشعر وردا في البيان بلا نسبة صريحة إلى ابن يسير (67) . بل إنه كثيرًا ما كان يفصح عن خصومه ويتجاوز هفواتهم في مواقف تستدعي الهجاء. فحين وشى به صديقه القاضي داود بن أحمد إلى زوجته وأهله، ودلّهم على أماكن اللهو والشبهة التي يتردد إليها"جعل ابن يسير يضحك ويقول: أيها القاضي لو غيرك يقول لي هذا لعُرِف خبرُه". (68) أما حين هجاه جعيفران الموسوس، فقد استشاط ابن يسير غضبًا، وانهال عليه بشتائمه، ولكنه لم يردّ عليه شعرًا بشعر (69) . وحينما زحمه أحمد بن يوسف بحماره في الطريق، وكان ابن يسير راجلًا، وكانت بينهما جفوة، لم يرد ابن يسير بالهجاء بل أخذ بأذن الحمار وقال له: قل لهذا الحمار الراكب فوقك لا يؤذي الناس، فضحك أحمد ونزل، فعانقه وصالحه" (70) . ولعمري إنه لجواب أبلغ من الهجاء، ولعمري إنه لعتاب ظريف ذو وقع في النفس، يصدر عن إنسان طيب النفس سليم الطوية حلو المعشر ميال إلى الموادعة. إن هذا التكوين جعله محبوبًا من الآخرين مقربًا من رجالات عصره، على الرغم مما يصدر عنه من هنات تدل على الظرف وخفة الظل."