فهرس الكتاب
بهذا المفتاح، مفتاح الذاتية وتصوير وقائع الحياة اليومية، يمكننا أن نفتح الباب لنلج عالم ابن يسير الخاص، وإننا لواجدون في عالمه الشعري ألوان الشعر العربي كلها تقريبًا. لقد مدح وهجا ووصف وتغزل وقال في الحكمة والزهد وبكى نفسه وأصدقاءه وكتبه, ولكنه في كل ما قاله إنما يصدر عن الذات الشاعرة التي تتجه بخطابها نحو الداخل، ولم يكن يتجه بخطابه الشعري هذا نحو الخارج. لقد مدح والي البصرة، كما أسلفت فقال: (75)
يا أبا حَفْصٍ بِحُرْمَتِنا
خُذْ لنا ثَأرًا بِجُلَّتِنا ... فَبِكَ الأوتارُ تُدَّرَكُ
ولكنه في مديحه لا يطلب ثوابًا بل يستعدي (صديقه) الوالي (بحرمته عليه) على من اعتدى على تمره. ... ولا تقاسِنَّ بَعْدي الهَمَّ والجَزَعا
كما هجا عددًا من معاصريه، ولم ينج الحيوان من هجائه فانصب على شاة منيع البقال كالصاعقة، وكان في هجائه لهذه الشاة يفصح عن ظرف كثير على الرغم من فرقه وألمه لمصابه في بستانه وكتبه. لقد أكلت هذه الشاة كتبه ومدوناته عندما لم تجد ما تأكله في بيته فكان مصابه جللًا، وقد استنفد ذاكرته اللغوية فاستحضر منها جلّ ما يحفظ من صفات سيئة ودعوات خبيثة وصبها على رأس هذه الشاة الملعونة التي نكبته في كتبه، فكان في هجائه هذا ظريفًا طريفًا أكثر منه مقذعًا مفحشًا (76) .
وشارك ابن يسير أيضًا في المناقضات الهجائية التي كانت تدور حول القدور في زمنه، فكان صغر القدر مدعاة للتهمة بالبخل (77) . ولكن هجاءه كان ضربًا من التنفيس عن النفس والترويح عنها، بعد أن يضيق بهؤلاء الثقلاء الذين يثقلون عليه ويفسدون عليه حياته. لقد هجا واحدًا من المغنين يقال له أبو النجم لأنه عبث به وأثقل في وليمة كانا قد دعيا إليها (78) ، وعرض بصديق له يدعى داود لأنه كان ذا حظ عند النساء لم يكن لابن يسير مثله على الرغم من قبح داود هذا وكونه أميًّا جاهلًا، فكان يكلّف ابن يسير الرد على رسائل المعجبات من القيان (79) :