فهرس الكتاب
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 63 - السنة 16 - نيسان"أبريل"1996 - ذي القعدة 1416
فهرس العدد
إنه إنسان ظريف طيب النفس، وادع مقبل على الحياة بتواكل عجيب، وإلا فكيف تفسر قوله: ... نِ وقد تُصيبُ مع المَظَّنَّهْ
تُخطي النفوسُ مَعَ العَيا
كَمْ مِنْ مَضِيقٍ في الفَضا ... ءِ ومَخْرجٍ بينَ الأَسِنَّهْ
4-موضوعات شعره: ... عَنِّ نَفْسًا حينَ تُنْتَهكُ
إن مكونات الشاعر النفسية التي تحدثنا عنها آنفًا نأت بالشاعر عن أن يكون واحدًا من الشعراء المعاصرين له، شاعرًا مّداحًا متكسبًا يطرق أبواب القصور ويقف طويلًا على أعتاب الأمراء، وإذا جاز لي التعبير فإنني أقول إنها لم تجعل منه شاعرًا"محترفًا"بمقاييس عصره بل جعلت منه شاعرًا ذاتيًا وجدانيًا، انصرف في شعره إلى تصوير وقائع حياته اليومية، خطيرها وحقيرها، باطنها وظاهرها، ولم يشغل نفسه أبدًا بمنافسة الشعراء ومديح الأمراء، وعلى الرغم من اتصاله بأمراء البصرة وولاتها، ومجالستهم ومنادمتهم فإنه لم يمدح أحدًا منهم قط، بل كان يدخل المجالس دخول العالم الأديب الصديق، والنديم الظريف، وإن المقطوعة اليتيمة التي قالها في مدح والي البصرة عمر بن حفص لم تكن غايتها المديح من أجل المديح، وإنما كانت تعبيرًا عن موقف حياتي عاشه الشاعر. إنه بهذه المقطوعة يستعين بالوالي، لينصفه من أصدقائه العابثين الذي اقتحموا بيته وأكلوا ثمره، وقد فعل الوالي، وأنصفه. ولكنه لم يجزه لقاء مديحه، ولم يطلب الشاعر منه ذلك) (74) .
وفي ظني أن هذه الفلسفة الحياتية اللاهية المتواكلة هي التي أخملت ابن يسير وابتعدت به عن نباهة الذكر وذيوع الصيت، وإننا واجدون له في كتب الأدب والمجموعات الشعرية، العديد من الأبيات التي اشتهرت وأصبحت مما يتمثل به الناس، ولكنني أظن أنه إنما قالها لنفسه لا لتذيع وتشتهر، وكأني به يريد أن يقدم نفسه للناس عالمًا لا شاعرًا.