فهرس الكتاب
وربما قاده ظرفه هذا إلى بعض المجون، ولكنه ليس المجون المتحدي للمجتمع وقيمه ولا المنغمس حتى الآذان كالذي أثر عن بعض معاصريه كحماد عجرد وأبي نواس وإضرابهما من الشعراء. إنه بعض مجون الشاعر الذي كان يدفعه إلى التردد إلى أماكن اللهو ودور القيان والجواري والقصف والغناء، والذي كان يصل به أحيانًا إلى هجر زوجته أو هجائها، جريًا وراء قينة من القيان. وهل كتب عليه أن يعيش الدهر مخلصًا لهذه الزوجة التي"عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول"؛ ومن منا لا يضيق بالآخرين وبنفسه أحيانًا، فيسلك سُبلًا يجد فيها دافعًا للسأم كما يظن؟ وكثيرًا ما هجر الشاعر زوجته وبيته أيامًا، وكثيرًا ما خرجت وأبناءها بحثًا عن الزوج الهارب. بل إن مجونه الظريف هذا كان يضعه في مواقف محرجة أو مهلكة أحيانًا، وها هو ذا يتغزل بوصيفة من وصيفات الأمير قثم بن جعفر، في مجلس من مجالس الشراب غير عابئ بحرمة المجلس أو هيبة الأمير، فينخلع فؤاد صديقه أبي الشبل ويقول له:"اسكت ويلك وإلا، تُصفع والله وتُخرج"وكان جواب ابن يسير يحمل الكثير من الظرف والمجون حينما قال:"والله لو وثقت بأن نُصفع جميعًا لأنشدته الأبيات، ولكني أخشى أن أفرد بالصفع دونك" (72) . وربما دفعه الإيغال في المجون إلى الانقلاب إلى الزهد أحيانًا، والعزوف عن الحياة ولذائذها (73) ، ولكننا لا نقرأ له الكثير مما يمكن أن نضعه في قائمة الزهد؛ ولا نستطيع من خلاله أن نحدد زمن انقلابه هذا ولا صدقه، وفي ظني أن زهده معادل لمجونه، وهي حالة مألوفة عند الكثيرين ممن يعانون فنًا من الفنون، إنه التقلب الناجم عن الاضطراب والقلق.
[1] باحث وكاتب من سورية.