وكان عصر ابن سينا، قد شهد انحلال سلطة الدولة العربية المركزية، وقيام عدد من الدويلات في مختلف أطراف الدولة، وعاش بالدرجة نفسها حصاد القرون السابقة جميعًا، على الصعد الثقافية والفلسفية والسياسية والدينية. في تلك الأيام كان معظم الفكر اليوناني قد نقل إلى العربية، وترجم الكثير من آثار الثقافات السابقة إلى لغة الضاد. ولقد عاش ابن سينا في مناخ ثقافي وبيئة اجتماعية، تأثرت بذلك جميعًا.
ولنترك الشيخ الرئيس يتحدث عن نفسه قليلًا، كما نقل ابن أبي أصيبعة وابن خلكان والقفطي ودائرة المعارف البريطانية، عن تلميذه الجوزجاني، بلسان الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، وبقلم التلميذ:
من سيرة ابن سينا
"إن أبي كان رجلًا من بلخ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام"نوح بن منصور"واشتغل بالتصرف، وتولى العمل في أثناء أيامه بقرية يقال لها"خرمثين"من ضياع بخارى، وهي من أمهات القرى وبقربها قرية يقال لها"أفشنة"وتزوج أبي منها بوالدتي وقطن بها وسكن، وولدت منها بها، ثم ولدت أخي."
ثم انتقلنا إلى بخارى، وأحضرت معلم القرآن والأدب، وأكملت العشر من العمر، وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب، حتى كان يقضى مني العجب. وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين ويعدّ من (الإسماعيلية) . وقد سمع منهم ذكر (النفس) و (العقل) على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم وكذلك أخي. وابتدأا يدعواني أيضًا إليه، ويجريان على لسانهما ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهند، وأخذ والدي يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل، ويقوم بحساب الهند حتى أتعلم منه.
قراءاته الأولى.. متعددة
ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله الناتلي، وكان يدعى المتفلسف وأنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه والتردد فيه إلى إسماعيل الزاهد.""