فهرس الكتاب
"وبعد فقد نزعت الهمة بنا إلى أن نجمع كلامًا في ما اختلف أهل البحث فيه، لا نلتفت فيه لفتة عصبية أو هوى أو عادة أو إلف، ولا نبالي مفارقة تظهر منا لما ألفه متعلمو كتب اليونان، ألفًا عن غفلة وقلة فهم، ولما سُمع منا في كتب ألّفناها للعاميين في الفلسفة، المشغوفين بالمشائين- يعني أتباع أرسطو- الظانين أن الله لم يهد إلا إياهم، ولم ينل برحمته سواهم، مع اعتراف منا بفضل أسلفهم- يعني أرسطو- في تنبهه لما نام عنه ذووه وأساتذته، وفي تمييزه أقسام العلوم بعضها عن بعض، وفي ترتيبه العلوم خيرًا مما رتبوه، وفي إدراكه الحق في كثير من الأشياء.".
انحيازه إلى الأرسطيين
ويستنتج الدكتور العوا أن انحياز ابن سينا إلى الأرسطيين، كما هو واضح، لم يحل بينه وبين أن يعمل عقله، ليكمل ما قصروا فيه ولم يبلغوا أربهم فيه.
... ومهما يكن من أمر. وقبل الدخول في التفصيلات والمناقشات المختلفة فلا بأس في استعراض نظريتي ابن سينا، في"الفيض"و"النفس".
يمكن القول إن المشكلة التي شغلت أذهان الفلاسفة، منذ الحقبة اليونانية، مرورًا بالعصور العربية- الإسلامية حتى الآن، تتلخص في الموقف من العالم والكائنات والأشياء المحسوسة. هل العالم قديم أم حديث؟ باق إلى الأبد أم فان؟
قال أرسطو بقدم العالم وأبديته، واعتقد أن الحركة أزلية كالزمان، إلا أنها لا تقوم بنفسها، لأنها تحتاج إلى محرك أول، وهذا المحرك الأول يحرك العالم من غير أن يتحرك معه.
الإبداع خروج من العدم
إن رأي أرسطو هذا بقدم العالم، لا يتوافق ومقتضيات العقيدة لأنه يؤدي إلى إثبات قديمين، كما يقول الدكتور صليبا، وحرمان الخالق من صفة الإبداع. فالإبداع إذن هو خروج من العدم إلى الوجود. ولقد استدل المتكلمون القدامى على وجود الله بحدوث العالم، قالوا: إذا كان العالم حادثًا فهو بحاجة إلى محدث.