فهرس الكتاب
وعلى الرغم من اهتمام الأيوبيين بالمدينة المقدسة وحرصهم باستمرار على الاحتفاظ بها إلا أنهم سرعان ما اكتشفوا (15) أن القدس لم تكن تعدل في أهميتها من الناحية الاستراتيجية دمشق أو القاهرة المركزين الهامين في الدولة الأيوبية، وعليه وبناء على ذلك ظهر لهم أنه بالإمكان التنازل عنها للأعداء عند اشتداد الأزمات السياسية أو العسكرية لا سيما أن الإفرنج الأعداء كانوا يلحون باستمرار على امتلاكها لتهدئة الرأي العام الأوروبي أولًا، حسب ادعائهم، ولحفظ ماء الوجه ثانيًا (16) . فقد وقع الملك الكامل ابن السلطان الملك العادل وهو ملك مصر معاهدة مع الامبراطور فردريك الثاني عرفت بالمعاهدة الفردريكية- الكاملية قضت بإعادة المدينة المقدسة إلى الإفرنج، وقد وجدت هذه المعاهدة معارضة شديدة من المسلمين آنذاك (17) ، إلا أن ضعف الملك الكامل ورغبته في الحصول على هدنة لإعادة بناء قوته هي التي دفعته للقيام بتوقيع تلك المعاهدة، ولعلها الأسباب نفسها التي دفعت الملك المعظم عيسى قبل ذلك إلى هدم أسوار بيت المقدس والتسبب في تشتيت أهلها إلى القاهرة ودمشق والكرك وغيرها من المدن الإسلامية حسب رواية المؤرخ المعاصر سبط بن الجوزي (ت 654هـ/ 1256م) . ويصف المقريزي صاحب كتاب السلوك (18) ردة الفعل العنيفة التي واجه بها الناس تدمير أسوار القدس قائلًا: (.. وخرج الناس من القدس ولم يبق إلا نفر يسير منهم..) ، ويضيف أن الأفضل نقل ما كان في القدس من الأسلحة وآلات القتال.