فهرس الكتاب

الصفحة 13776 من 23694

ومن ذلك خطبة سعد بن أبي وقاص في يوم أرماث- وهو اليوم الأول من أيام القادسية، سنة 14 هـ- إذ قال بعد حمد الله والثناء عليه:"إن الله هو الحق لا شريك له في الملك، وليس لقوله خلف، قال جل ثناؤه: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون(، وإنَّ هذا ميراثكم وموعود ربكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث حجج، فأنتم تطعمون منها وتأكلون منها، وتقتلون أهلها، وتجبونهم، وتسبونهم، إلى هذا اليوم، بما نال منهم أصحاب الأيام منكم، وقد جاءكم منهم هذا الجمع، وأنتم وجوه العرب وأعيانهم، وخيار كل قبيلة، وعزَّ مَنْ وراءكم، فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة، ولا يقرّب ذلك أحدًا إلى أجله، وإن تفشلوا وتهِنوا وتضعفوا تذهب ريحكم وتوبقوا آخرتكم"(50) .

ونلحظ كيف أن سعدًا حاول أن يتوسل بكل ما من شأنه أن يذكي الحماسة في نفوس المقاتلين، حتى العصبية القبلية، حيث أشار إلى أنهم وجوه قبائلهم وعزّ مَنْ وراءهم. ولم يكن يجهل ما لهذه الإشارة من أثر في جعلهم يبذلون كل ما بوسعهم من قوة في سبيل النصر.

وهذه الإشارة إلى العصبية القبلية تبدو بوضوح أكثر في خطب أخرى، كخطبة جرير بن عبد الله البجلي الذي وجه خطبته إلى قومه مبتدئًا بهذا لنداء:"يا معشر بجيلة" (51) ، ثم راح يرغبهم في الغنائم، ويحرضهم على القتال. وعلى الرغم من أنَّ هذه الإشارات لا ترقى إلى مستوى الظاهرة، فإنها تظل شاهدًا حيًا على حياة العصبية القبلية التي لم يستطع الإسلام أن يجتثها من جذورها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت