فهرس الكتاب
فقد كانت تلك الأحداث الهامة تستدعي خطبًا تذكي الحماسة في نفوس المقاتلين، وتثير فيهم مواطن الرجولة والشجاعة، وتعمق في أنفسهم قداسة الأمر الذي يقاتلون من أجله وعظمته، وتغريهم بالأجر العظيم الذي سيفوزون به. ولا ريب في أنه كان لهذه الخطابة أثرها الكبير في الانتصارات التي تحققت. فالعربي معروف بسرعة انفعاله وتأثره، وكانت الكلمة الرائعة، شعرًا أو نثرًا، تفعل فيه ما لا يستطيع أن يفعله شيء آخر. فليس من الغريب، بعد ذلك، أن يصل إلينا، رغم عوادي الزمن، كمٌّ هائل من خطب الحض على الجهاد.
ونستطيع أن نقسم هذه الخطب إلى قسمين رئيسيين تبعًا لنوعية الحروب التي قيلت فيها:
أ-خطب المغازي والفتوح.
ب-خطب الحروب الداخلية.
أ-خطب المغازي والفتوح:
لم يصل إلينا من عهد النبوة خطب من هذا اللون تكفي لإعطاء صورة واضحة عنها. والأرجح أنها لم تكن تختلف كثيرًا عن الخطب التي قيلت في عهد الخلفاء الراشدين (ر) ، ولكي نكون أكثر دقة يجب أن نستثني من هذا الحكم خطبة الرسول (( ) التي قالها يوم أُحد والتي يوصي فيها المسلمين بوصايا كثيرة لا علاقة لها بالتحريض (49) .
وفي هذا النوع من الخطب يعمد الخطيب إلى تشجيع المقاتلين وترغيبهم في القتال في سبيل الله، إعلاء لكلمة الحق ونشر الدين الإسلامي. فيذكر لهم فضل الجهاد، ونعيم الآخرة العظيم الدائم، ومنزلة الشهيد والشهادة عند الله عز وجل، ويعمد الخطيب أحيانًا إلى ذكر الغنيمة التي قد يصيبها المقاتلون، والكسب الذي يكسبونه من نعيم الدنيا في حال الانتصار. وكذلك يدعوهم إلى الثبات والصبر، ويقبّح لهم الفرار، ويهوّن من شأن الأعداء وعددهم وعدَّتهم، ويبشّر بنصر الله الذي وعدهم الله تعالى به. وهو في ذلك كثيرًا ما يستشهد بالآيات القرآنية التي تشير إلى الجهاد، وإلى الوعد بالنصر والثواب.