ومن هذه الوصايا وصايا الخلفاء لولاتهم، أو لمن سيأتي بعدهم ويحل محلهم، وفي هذه الحال تكون الوصية منهجًا للعلاقة بين الحاكم والرعية، يفترض بالحاكم أن يلتزم به مدة حكمه. ومع أنَّ الوصايا، في هذا المجال، تميل إلى القصر، فإن المصادر حملت إلينا وصية طويلة لعمر بن الخطاب (ر) أوصى بها الخليفة من بعده. وهو يوصيه بالتقوى، وبالمهاجرين الأولين، وبأهل الأمصار والبادية، وبأهل الذمة، ويوضح له أسلوب التعامل مع الرعية بحيث يرضي الله ويرضي الناس (67) .
ولما كان مفهوم الحاكم للسلطة هو الذي يحدد العلاقة بين السلطة والرعية فقد كان من الطبيعي أن يتبدّل مضمون الوصية بين حاكم وآخر بشكل قد يكون كبيرًا. فبينما نجد عمر (ر) يوصي خليفته بالمساواة بين الرعية، والعدل، نرى معاوية يهدف إلى تعزيز السلطة. ولذلك يوصي عمرو بن العاص عندما أرسله إلى مصر قائلًا:"... فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك، وكل الناس فأول حسنًا" (68) .
وقد تركت أحداث التحكيم بين الشام والعراق مجموعة من الوصايا السياسية التي وُجِّهت إلى الحكمين. ونلاحظ أن الجانب السياسي يغلب عليها، بينما كان يغلب الجانب الاجتماعي أو الديني على غيرها من الوصايا السياسية في هذا العصر.
هذه هي صورة الخطابة السياسية في عصر صدر الإسلام وهو عصر نشوء الخطابة الإسلامية ونموها، وهي صورة واضحة الملامح، بارزة القسمات، تجعلنا نطمئن إلى القول: إن عصر صدر الإسلام هو صاحب الفضل في وجود الخطابة السياسية الإسلامية وهو الذي منحها سماتها الأساسية التي لم يستطع الخطباء الأمويون- فيما بعد- أن يضيفوا إليها شيئًا ذا بال. وإذا كان العصر الأموي هو العصر الذهبي للخطابة العربية فإن الخطباء الأمويين مدينون بالكثير لأسلافهم من خطباء صدر الإسلام.
الحواشي:
(1) _السيرة النبوية: 2/85.
(2) _المصدر السابق: 2/90.
(3) _انظر مروج الذهب: 2/358.
(4) _الخطابة العربية في عصرها الذهبي: 145.