إن ما وصلت إليه يداي من المصادر لا يكاد يفيدنا في حل كثير من الأسئلة التي نطرحها حول ديوان عوف، فمثلًا هل وصلت نسخة من هذا الديوان إلى عصر التدوين حتى يأخذ سيبويه بعضًا من أبياتها للاستشهاد بها في الكتاب (5) ويختار المفضل بن محمد بن يعلى الضبي بعضًا من قصائده في مختاراته الموسومة بالمفضليات (6) ؟ أم أنه كان قطعة من أشعار الرباب التي صنعها المفضل وحماد (7) ؟ وهل كان الديوان كبيرًا وضاع منه الكثير حتى وصل إلى عصر البغدادي، فوصفه بأنه كان ديوانًا صغيرًا يمتلكه شخصيًا (8) ؟ كل هذه التساؤلات وغيرها لا نجد لها جوابًا.
غير أننا يمكن أن نقول بأن شعر عوف بن عطية قرأه السهيلي وهو من علماء القرن السادس الهجري قراءة دقيقة ومتفحصة مما دعا به أن يجعله دليلًا على حكم أصدره في شأن القذف بالنجوم. قال السهيلي: معلقًا على ابن هشام على أن القذف بالنجوم معروف قديمًا، وهو موجود في أشعار القدماء من الجاهليين، منهم"عوف بن عطية، وأوس بن حجر، وبشر بن أبي خازم، وكلهم جاهلي. وقد وصفوا الرمي بالنجوم وأبياتهم مذكورة في مشكل ابن قتيبة في تفسير سورة الجن" (9) .
وبالإضافة إلى السهيلي نجد ياقوت الحموي، وهو من علماء القرن السابع الهجري يقرأ شعر عوف بن عطية ليستقي منه مادة معجمه. يقول في معرض حديثه عن الرشاء:"والرشاء ممدود، اسم موضع وهو حرف غريب نادر ما قرأته إلا في شعر عوف بن عطية":
نقود الجياد بأرسانها
فياقوت الحموي هنا يقرأ شعر عوف بن عطية، ويلاحظ غرابة هذا الحرف وندرته، فلم يقرأه إلا في شعر عوف على الرغم من قراءاته الواسعة لأشعار العرب قديمها وحديثها. ... ومهما تشأ منه فزارة تمنعا
والحاصل أن شعر عوف يقرأ في قرنين متتاليين عن عالمين جليلين، وهذا مما يطمئننا على أن شعر عوف كان يقرأ في تلك القرون، ويحظى باهتمام علمائها.