وتمر الأيام والليالي ولا نجد من يتحدث عن شعر عوف أو عن ديوانه حتى نصل إلى القرن الحادي عشر، حيث البغدادي وخزانته. فنجد أنه اعتمد ديوان عوف مصدرًا من مصادر تأليف خزانته ويعدده ضمن عشرات الدواوين وكتب الاختيار والنقد والبلاغة والنحو وغيرها (11) . ويعتبر البغدادي المؤلف الوحيد الذي أشار إلى ديوان عوف في أماكن عدة.
فمن ذلك مثلًا تعليقه على بيت ينسب إلى عوف:
فمهما تشأ منه فزارة تعطكم
يقول:"البيت غير موجود في ديوان ابن الخرع وإنما هو من قصيدة للكميت بن ثعلبة أوردها أبو محمد الأعرابي في ضالة الأديب" (12) . ... فأدوهما إن شئتم أن نسالما
وهذا الديوان الذي رأينا البغدادي يشير إليه هنا في محاولة لتوثيق شعر عوف نجده في مكان آخر من كتابه يصفه وصفًا دقيقًا، بل إن هناك إشارة أخرى دقيقة ونادرة في الوقت نفسه، وهي قوله بأنه يتوفر على هذا الديوان وهو في حوزته، وضمن مكتبته، يقول:"وله ديوان صغير وهو عندي" (13) .
وفي هذه العبارة ما فيها من الدقة والأمانة العلمية، وهي تنم عما كان يحظى به علماؤنا القدامى من نزاهة وصدق في وصف الأشياء ونعتها بأوصافها حتى لا يؤخذ عليهم أي مأخذ في حياتهم العلمية والاجتماعية.
غير أن هناك إشارة من البغدادي ربما تفيدنا في بناء ملاحظات أخرى وهي قوله: قال أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري في شرح ديوانه (14) - أي ديوان عوف بن عطية- وعلى هذا الأساس نتساءل قائلين: هل كان البغدادي يتوفر على الديوان كما أشار هو عينه بالإضافة إلى نسخة مشروحة أخرى؟ أو أن الديوان والشرح كانا في نسخة واحدة؟
والراجح عندي أن البغدادي كان يتوفر على نسخة من ديوان عوف خالية من شرح السكري، مما دعا به إلى أن يصفها بقوله: وله ديوان صغير وهو عندي15). ثم نسخة منفردة بشرح السكري لأننا لا نجد أية إشارة تفيد بأن نصوص الديوان كانت مشروحة ضمن نسخة الديوان مما دعا بنا أن نجنح إلى هذا الرأي حتى تثبت الدلائل عكس ذلك.