وهذه النزعة التشاؤمية هي ثمرة تجارب حياتية تعرض لها، فَفَقَدَ الثقة بالناس والمجتمع، غير أنها لم تعطل إرادة الحياة والعيش المشترك لدى كثير من شعرائنا وأدبائنا، فكانت حيواتهم النفسية وسلوكهم البشري بين مدّ وجزر، يمدون إلى الإنسانية والمجتمع يدأ ثم يكفونها حين تعترضهم العقبات، ولم يبقَ التشاؤم لديهم عقيدة ثابتة يصدرون عنها في حياتهم الخاصة والعامة.. لم تمنع خيبات أمل الشاعر"أبي فراس"المتكررة والاحباط الذي تعرض له من أن يتحرك في إطار الجماعة ويمتلك قيمتها ويدافع عنها مع أنه يقول: ... ذئابًا على أجسادهن ثياب
وقد صار هذا الناس إلا أقلّهم
كذلك المتنبي فإن ذمّه الناس في زمانه لم يكفّه عن طلب المكرمات والسعي إلى المعالي والطموح والعيش بين الناس مع أنه يذمّ إلى زمانه أهله، ملوكهم وسوقتهم، يفتح عينه على كثير من الناس ثم يغلقها فلا يرى أحدًا يستحق لقب إنسان. ... ولا دافع فالخسرُ للعلماء
أبو العلاء المعري وحده هو الذي جعل من التشاؤم عقيدة له، فوقف من الحياة موقف المتفرد عن ركب هؤلاء جميعًا، فلم يكتف بالتنديد بالبشر ومعنى وجودهم على الأرض في شعره، بل طبق آراءه في حياته الخاصة والعامة، فلم يتزوج، وآثر العزلة فحبس نفسه في بيته وامتنع عن تلبية نداء الحياة في غرائزه وأهوائه مستجيبًا للعقل أو منقادًا لظروف حياته الخاصة. وقد أثار سلوكه مثلما أثارت آراؤه الجدل من حوله والإعجاب بشخصيته من حيث قدرته على ربط القول بالسلوك والانسجام مع الذات بغض النظر عن آرائه التي رأى فيها بعض دارسيه غلوًا وتطرفًا، وخروجًا على المعتقدات.