ويمكن القول بصورة عامة أن"عبد العزيز التويجري"الأديب يحاور عقل المعري بروح البداوة وقيمها عبر رسائله التي تقارب الستين، في محاولة لفهم فلسفته التي تكوّنت في زمان ومكان محددين، يختلف عن زمانه ومكانه"قرأت زمانك ومكانك فإذا الزمان الذي أنت منه أكثر ما فيه ضياع وتصدع في تربة الإنسان"وهما ضيقان جدًا بالقياس إلى إنسان اليوم الذي امتدت حدوده إلى الفضاء، واتسعت دائرته الذهنية والعقلية حتى صار بلا حدود، ومع ذلك فإن"التويجري"لا يرى في تجربة المعري تجربة ثابتة في المكان والزمان، فقد حاول أن يتجاوز عصره لكن فلسفته لم تكن سوى ردة فعل محدودة بالقياس إلى تطرّف عصرنا الفكري والفلسفي، فإنسان اليوم يلهث وراء فلسفة الالحاد، وإذا كان"التويجري"يختلف مع"المعري"في بعض تصوراته عن الدين، فإنه يؤيده في شكّه بالإنسان.
ولو عاد"المعري"إلى الحياة اليوم لازداد حزنًا وشفقة على الإنسان الذي لم ترحمه وسائل عصرنا، فقد أدارت حضارة القرن العشرين ظهرها له، وعبثت بقيمه، وافترسته، فما جدوى فلسفة المعري في لزومياته، إذا كان علم عصرنا الذي سخّر لدمار الإنسان لم تتبدل طبيعته عن علم الناس في عصر المعري:
إذا كان علم الناس ليس بنافع
قضى الله فينا بالذي هو كائن ... فتمّ وضاعت حكمة الحكماء
والتويجري يعاتب شيخ المعرة ويسأله عن قوله: ... دياناتكم مكر من القدماء
أفيقوا يا غواة فإنما
أرادوا بها جمع الحطام فأدركوا ... وبادوا وماتت سنة اللؤماء