فهرس الكتاب
فهذه النظرة المتشائمة، التي ترى في الفناء جمالًا، لا تليق بالإنسان الذي حمّله الله أكرم الرسالات، وأنابه على الأرض ليسعى ويبدع لا ليُذم وتعطل فعاليته. وليس لنا أن نيأس لأن الصيف الذي يأكل الربيع سيتلوه ربيع آخر، والإنسان اليوم ينتصر على كل العقبات وتنحني له الطبيعة، والموت الذي يخيف المعري سيعقبه حياة خالدة لا صيف فيها يقتل الربيع، ولو عاش المعري في عصرنا لكان أقرب إلى الإعجاب بالإنسان وأكثر إيمانًا بمعنى وجوده، لأنه على حدّ تعبير التويجري"أناخ اليوم كل مطية نافرة لم يستطع إنسان القرون السحيقة أن يذللها"فلا مسوغ لحملة المعري عليه إذ يقول: ... أن مصليك أتقياءُ
يا عالم السوء ما علمنا
ويا بلادًا مشى عليها ... أولو افتقار وأغنياءُ
فانصرفوا والبلاءِ باقٍ ... ولم يزل داءَك العياءُ
حكم جرى للمليك فينا ... ونحن في الأصل أغبياءُ
وكل ما في الكون يؤكد أن الحياة تتجدد باستمرار ولا تنزع نحو الفناء فجناح العصفور وجناح العُقاب وجناح مركبة الفضاء، كلها أجنحة تجري لغاياتها وإن اختلفت وتباعدت أهداف المسيرة، ولا أحد قادر أن يمتنع عن المسير إلى غايته وقدره. ... بعزّ ولكن مستضامًا على قسر
وعن فلسفة الموت يرى"التويجري"ما يراه المعري من أن الموت راحة لكل مؤمن وخلاص من الأسر، لكنه لا يريد أن يقطع مسيرة الحياة، بل يفضل أن يجري في مضمارها إلى آخر الشوط ليدرك المعنى العظيم لكفاح الحياة وتحقيق سر الله فينا نحن خلقه:
وما يترك الإنسان دنياه راضيًا
متى ألقَ من بعد المنية أسرتي ... أخبرْهُم أني خُلعت من الأسر
إن أخطر ما يكون على الإنسان أن تسجنه فكرة أو فلسفة أو يعقله عقل، فرقبة الحياة لدى المفكر غيرها لدى النعامة، هي رقبة افتتن بها الإنسان وعلق عليها كل عاشق قلادة، وروغان ثعالب الفكر أشد من روغان ثعالب الصحراء، وأبنية الفكر لا قيمة لها إذا لم تكن لبناتها من معرفة الإنسان نفسه وخالقه: ... ما هو إلا الغدر والجهل