والمؤسي، والباعث على الألم، ونحن نرى إلى تراثنا الذي صار ممتلكًا لغيرنا، أننا بتنا نؤمن مطلقًا بالتحييد. كأن نقول بأن هذه المؤلفات أو الكتب لجماعة السنة، وتلك لجماعة الشيعة، وأن هذا الكتاب مذهبي باطني للفرقة الفلانية، وأن الهوى والعدوانية والأحقاد تلّف مؤلفات فلان من الاعلام، أو أن نقول بأن هذا التاريخ أو التأريخ عند فلان هو غرضي أو رسمي حابى ولوّن على هواه، وهكذا إلى آخر التوصيفات وإلى أن نصل إلى التحييد والإبعاد، وعدم القراءة الجديدة، أو الاستكشافية الراهنة البعيدة عن السلط، والعسس، والمؤثرات الواقعية التي كانت سائدة في أزمان تلك المؤلفات.
أقول هذا، وأنا لا أنكر أن التحييد والعزل خاصية علمية لا بد من اللجوء إليها، والأخذ بها كي لا يظلَّ التراث ركامًا أو بيدرًا فيه القمح والزؤان، أو منجمًا فيها الخسيس والنفيس معًا. لكنني ضد التحييد والعزل والابعاد في القراءة والاستكشاف والمطالعات ذات الهوى، والمذهبيات المسبقة أو التحييد بسبب الاطمئنان إلى الأقوال والآراء السابقة دون الوقوف على فجواها واستبطاناتها وغاياتها بمناهج وأدوات ورؤى جديدة طازجة.