فهرس الكتاب

الصفحة 13978 من 23694

ان من يتأمل في انتاج العالم العربي الاسلامي على الصعيدين العلمي والفكري خلال الفترة الممتدة من القرن العاشر وحتى القرن الخامس عشر للميلاد، لا بد من أن تتملكه الدهشة لأمرين: أولًا وفرة هذا الانتاج (نسبيًا) ، ثم لاستمراره في هذه الفترة التي عرفت بكثرة تقلباتها السياسية وتمزق أطراف الدولة فيها بين دويلات متطاحنة أو طوائف مذهبية أو شعوبية متصارعة، وثورات متلاحقة، وتهديدات بالغزو تهب من الشمال والشرق والغرب. هذا إضافة إلى أهواء الساسة الذين كانوا في كثير من الأحيان غرباء عن المنطقة، ولا همّ لهم سوى السلطة، وبسط النفوذ، وجني الأموال، وتعبئة الجيوش وتدبير المكائد والتربص بالخصوم وإن كانوا د أبدوا في بع الأحيان حماسة للعلم والفكر، فكثيرًا ما كانوا يخشون كل تفكير حر يستشمّ منه مخالفة لعقائدهم، أو يفتّح أذهان العامة على جورهم وظلمهم.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يدهشنا ظهور أصالة في بعض هذا الانتاج، سواءٌ من حيث المضمون، أم من حيث المنهجية في البحث. وقد يلمح المرء في ثنايا بعض المؤلفات تباشير فجر جديد، سرعان ما بزغ فعلًا منذ القرن الرابع للهجرة، العاشر للميلاد، ولكن ليس في قطر عربي أو إسلامي واحد، بل يمكن القول في أكثر تلك الأقطار. ولسنا بحاجة للبحث والتقصي لكي نقيم الدليل على ما ذهبنا إليه. فالكندي والرازي والبيروني وابن سينا والحسن بن الهيثم وأبو بكر الكرخي وابن البناء المراكشي وابن طفيل وابن النفيس والغزالي وابن عربي وابن خلدون والمقريزي وغيرهم. كلها أسماء معروفة لأعلام كان أصحابها قد عاشوا في تلك المراحل المضطربة من تاريخ العالم العربي الاسلامي. لقد مهّد هؤلاء الاعلام الطريق بأعمالهم لمن أتى بعدهم من علماء عصر النهضة في أوربا، أمثال كبلر وغاليليه وباسكال وديكارت وفيرما، ولا يمكن لباحث ومؤرخ للفكر أن يتجاهل مؤلفاتهم دون أن يترك في بحثه ثغرة في تاريخ العلم يصعب عليه جدًا رأبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت