وهكذا نجد أنفسنا أمام سؤال محيِّر، نادرًا ما توقف عنده المؤرخون العرب، أو ربما تغافلوا عنه عن قصد، وهو: لماذا سار العلم عندنا بهذه الخطوات المتعثرة المتقطعة، والتي بدا معها كأنه مجرد لمحات خاطفة فردية حتى لتكاد تكون بلا رابط يربط بينها؟ إن ذلك يعود في الحقيقة إلى عدم وجود خطة عمل ثابتة، أو منهج واضح، يكون موضع ثقة من الجميع، ومحكًا تمتحن به سائر الأعمال قبل أن تكون موضع ثقة الجميع (كما حدث في عصر النهضة الأوربية) . وعلى الرغم من أن بوادر منهج سليم كهذا قد وجدت، إلا أن أيًا منها لم يُعتمد، على الرغم من وضوحها وضمان طريقها. حقًا إن بعضهم تابع أعمال من سبقه، ولكن ذلك لم يستمر، ولم يأخذ شكل صفة عامة تساعد على تراكم المعرفة وارتفاع بنيانها.
وكانت معظم الأحيان تمر فترات كافية لنقل المعرفة، بحيث تبطل معها حجة من يتذرعون بافتقارهم إلى الطباعة. وقد يرجع بعضهم هذا الأمر إلى الأسباب نفسها التي تقدم ذكرها، أي إلى تقلب الأوضاع السياسية والعوامل الاقتصادية، وسيطرة النظم العسكرية وقسر الحريات، وسيطرة العقل السلفي وشيوعه دون الفكر العلمي، وقمع الحرية الفكرية، وإغلاق باب الاجتهاد، إلى غير ذلك من الأمور التي تميزت بها هذه الحقبة.
والحقيقة أن هذه العوامل كلها كان لها معًا أثر في تأخير عجلة التقدم.
ولكنها لا تكفي لتبرير غياب بناء متكامل، على الرغم من وجود نماذج معروفة أمامهم، ولا سيما أن الأبواب كلها كانت مفتوحة أمام انتقال المعرفة كما رأينا.