فهرس الكتاب
ومن هذه المفاهيم والفرضية استطاع بأسلوب رياضي (سبقه إليه ثابت بن قرة) (ت- 901) التوصل إلى هذا القانون (28) . وكذلك كان كبلر (ت- 1630) سباقًا إلى رؤية ذاتية، لم تقتصر على ما نقلته الحواس من قياسات. فقد رأى أول الأمر أن مسارات الكواكب هي دوائر، وحين لم تعطه القياسات حجة تدعم زعمه هذا، قلب الأمر وقال إن مسارات الكواكب إهليليجية (باعتبار أن هذا الشكل قريب الشبه بالدائرة) .
والحقيقة أن القياسات لم تكن تدل دلالة قاطعة لا على هذا ولا على ذاك.
لذلك كان لا بد من تجاوز الحس وتدخّل البصيرة (أو الرؤية الذاتية) . بل إن كبلر كان يعتقد أن حركة الكواكب هي موسيقى تبرهن على الإتقان الإلهي (29) .
و هكذا نرى أن العلم تطور حين تجاوز النظرة الوضعية الضيقة، عند عجزه عن تحقيقها، إلى وضع الفرضيات.
كان اليونان قد توصلوا إلى قوانين كمية في الفيزياء، وكان من أهمها ذاك الذي اكتشفه أرخميدس،من أن الجسم الغاطس في الماء يلاقي دفعًا من الأسفل إلى الأعلى بقدر وزن حجمه من الماء. ولقد توصل إلى ذلك بالاستدلال المنطقي الأرسطي (أو الشبيه بالأرسطي) وليس بالتجربة والقياس. ولكي تتضح الفكرة، سأكتفي بذكر هذا الاستدلال، علمًا بأن اليونانيين قد اتبعوا هذا المنهج نفسه في عدد من الحالات، كانعكاس الضوء وتوازن الأثقال:
قال أرخميدس: لو حل محل الجسم الغاطس في الماء- بحسب شكله وحجمه- ماء فقط لظل هذا الماء متوازنًا.
ولما كان الجسم يتوازن إذا خضع لقوتين متعاكستين مباشرة فهذا الماء يلاقي إذن دفعًا من الأسفل إلى الأعلى يعادل وزنه.
ولما كان هذا الدفع موجودًا في كل الأحوال، فلو أعيد الجسم إلى مكانه في الماء لعانى إذن هذا الدفع نفسه.