فهرس الكتاب
وهكذا نرى أن منهج أرخميدس يختلف عن منهج غاليليه في أنه لم يحتج إلى مفاهيم غير مألوفة من قبل، أو إلى فرض تعسفي يخرج عن إطار التجربة الذاتية البسيطة. ولكنه منهج يصلح في حالات ضيقة جدًا. في حين أن منهج غاليليه ثبتت أهميته أكثر حين طبقه كل من أتى بعد غاليليه مثل هويغنز ونيوتن وهوك وبويل وباسكال وغيرهم كثيرون.
فلم يكن باستطاعة العلماء المسلمين تطبيق منهج أرخميدس بنجاح، نظرًا لضيق مجاله، كما لم يخطوا الخطوة الجريئة نحو الفرضية بشكلها الضيق أو بشكلها العام أي النظرية .Theorie فخطوا الخطوات الأولى نحو التجربة التي لم يسبقهم إليها اليونان، وأحجموا عن الخطوة التالية التي يكتمل بها المنهج العلمي كما أسفلنا.
ولكنا النظرية أو الفرضية هي طراز من التفكير يمت بصلة قربى إلى الفلسفة. وهذا النمط من التفكير، وإن عُرف في المشرق، إلا أنه عُرف بأسلوب خاص لا يطابق الأسلوب الذي عُرف به عند اليونانيين. فقد كان اليونانيون أجرأ على طرح الرؤية الشخصية، فأعمال الحسن بن الهيثم تكفي لأن تجعل منه عالمًا في مصاف هويغنز أو نيوتن في مجال الضوء.
ولكن كلًا من هذين الأخيرين أقام نظرية متكاملة في الضوء، بينما أحجم الحسن بن الهيثم عن ذلك قبل نهاية الشوط بقليل. كما أن أعمال شرف الدين الطوسي التي أتينا على ذكرها، تكفي لأن تجعل منه عالمًا في مصاف فيرما. ولكن فيرما قدم عملًا نظريًا متكاملًا في الرياضيات وطبقه على الضوء، وكانت نتيجته مبدأ فيرما الشهير عن المسار الضوئي. فلا الحسن بن الهيثم تجرأ على اتخاذ"تشبيهه للضوء بالكرات الصلبة"نظرية يدافع عنها ليطورها من أتى بعده فيحسن تطبيقها على انكسار الضوء (30) . ولا شرف الدين الطوسي أدرك أهمية عمله وشموله في دراسة تحويلات دالة (تابع) في جوار نقطة ليجعل منها نظرية متكاملة. وهكذا بدت هذه الأعمال شبه جاهزة، أو مبتورة، إلى أن قُيِّض لها من يُدرك فوائدها ويظهر ثمراتها.