فهرس الكتاب
والحقيقة أم المعرفة العلمية عملية تتكامل باستمرار أو بناء ينمو ويتسع، وما لم تكن كذلك تتبعثر أجزاؤها وتضمحل، ويكون مصيرها كمصير المعارف والخبرات التي كانت متوارثة (وتحفظ في الصدور على الأرجح) عند قدماء المصريين. إذ ظلت معارف مجزأة لا رابط بينها، أي أشبه ما تكون بكومة من الحجارة، ولكن"كومة الحجارة لا تشكل بناء" (31) كما يقول هنري بوانكاريه. وإذا كان هذا القول يصدق بعض الصدق على تراثنا العلمي، فإنه يصدق جدًا على تراث جميع الأمم القديمة أيضًا.
3ً-وهناك أخيرًا الأرض الصالحة لنمو العلم وانتشاره:
فما لم توجد قاعدة عريضة يستند إليها هذا البناء، وتتألف من المهتمين بالعلم، فإنه سرعان ما يذبل ويتلاشى ويضيع في عالم النسيان. وهذا ما نفتقده في تاريخنا العلمي، وخاصة في نشأته الأولى. فهو لم يسجل لنا (بحسب ما وصل إلى علمنا) مساجلات ومناظرات إلا في علوم اللغة والدين، والفلسفة، لذلك لم يتخذ طابعًا جماعيًا، كما أن صلته بالحياة وظروف العمل كانت أضعف من أن توفر له استمرارًا وقاعدة جماهيرية عريضة. في حين أن المجتمع العلمي في العالم الغربي الحديث انغمس بعد تخلصه من سيطرة الكنيسة، في مساجلات ومناقشات علنية، وأصبحت التحديات في حل المسائل أمام الملأ شيئًا مألوفًا.
وهذا ما حدث بين كاردان وتارتاغليا حول إيجاد حل عام للمعادلة بين الدرجة الثالثة والرابعة (32) . أو ما دار من مناقشات في الرسائل المتبادلة بين ديكارت وفيرما وميرسين حول إيجاد مماسٍ لمنحنٍ، وفكرة النهايات الحدّية، أو ما تم من المراسلات بين فيرما وباسكال حول موضوع الاحتمالات. ثم أصبح العلم حديث الصالات العامة والمنتديات، وغدا هواية للكثيرين (33) .