وفي الحقيقة فإن بلوغ سلطة زنوبيا.. مصر وشمال إفريقيا، ينبغي النظر إليه من زاويتين اثنتين: اقتصادية وسياسية، فقد كانت مصر تحسب بين أهراءات روما الأساسية، وفي الآن ذاته فإنها تسيطر على طريق الهند عبر البحر الأحمر. وقد ازداد هذا الطريق أهمية، بعد أن أغلق الساسانيون منطقة الخليج العربي. ويمكن القول بعبارة أخرى إن زنوبيا، انطلاقًا من عقدة المواصلات البرية في تدمر، والبحرية في مصر، سيطرت سيطرة تامة، على الطرق التجارية بين الهند والشرق وبين البحر الأبيض المتوسط. وهذا ما كانت روما تعدّه من مكتسباتها التي أخذتها زنوبيا من بين أيديها.. وجعلتها تحت تصرفها بالكامل.
وهكذا يفضي بنا الاقتصادي إلى السياسي، فنغدو أكثر قدرة على فهم الصيحات التي تصاعدت في روما، تدعو أعلى فأعلى إلى فك الارتباط والاتفاق مع زنوبيا، ونستوعب الضغط على الامبراطور الروماني الجديد (أورليانوس) من أجل إنقاذ دولته من ذلك التصدع الذي لحق بها في أوروبا.. وفي الشرق.. إضافة إلى الفتنة المشتعلة في روما.
وأصبح تحديها سافرًا
عالج أورليانوس مشكلاته واحدة بعد الأخرى. قضى على الفتنة في روما أولًا، ثم التفت إلى الجرمان فأدبهم.. ولم يبق أمامه سوى الالتفات إلى تدمر وملكتها زنوبيا.."وبلغ سمع الملكة من أصدقائها ومخبريها في روما عزم الامبراطور على القضاء عليها، فقررت القيام بعمل سريع قبل مباغتة القيصر لها، فألغت الاتفاق المعقود مع الرومان في أيام"كلاوديوس"وأمرت بمحو صورة أورليانوس من النقود لتبرهن على قطع علاقتها بالقيصر وعدم اعترافها بسيادة روما الاسمية عليها. وأمرت بضرب صورة وهب اللات وحده -على النقود- مع اللقب الامبراطوري المخصص لقياصرة روما (67) ."
ولقبت نفسها في النقود التدمرية بلقب"ملكة"أما مصر فقد كان لقبها هي وابنِها فيها"اغسطس"وهو لقب القياصرة الرومان.. وبذلك أصبح تحديها روما سافرًا.