فهرس الكتاب
من هذه الأمثلة يظهر بوضوح مدى تأثير الولاء السياسي، وعدم قدرة أصحابه على مسايرة التطورات الجديدة أو القبول بالأمر الواقع. وبعد أن تسلم الموحدون مقاليد الحكم في الأندلس والمغرب، حدث الشىء نفسه، وكان لا يقل في حال من الأحوال عن الذي حدث من جراء التبدل السياسي، ذلك لأن الموحدين اختلفوا عن المرابطين على صعيد العقيدة الدينية. فقد نظر الموحدون إلى الذين خالفوهم على صعيد العقائد والمباديء نظرة معادية، اتسمت بالحقد والكراهية، فعاملوهم بقسوة بالغة مما أثار لدى البعض منهم موجة من الذعر والخوف، وصلت إلى درجة قريبة من الجنون والخبل، كما حدث لأبي الوليد محمد بن عبد الله بن فيرة القرطبي، الذي وصف المقري أحواله في كتاب نفح الطيب بقوله:"وخرج في الفتنة بعدما علا ذكره في قرطبة، وأقام بالإسكندرية خوفًا من بني عبد المؤمن بن علي ثم قال، كأني والله بمراكبهم قد وصلت إلى الإسكندرية ثم سافر إلى مصر، وأقام بها مدة ثم قال: فوالله ما مصر والإسكندرية بمتباعدتين، ثم سافر إلى الصعيد، وحدث بقوص بالموطأ ثم قال: والله ما يصلون إلى مصر ويتأخرون عن هذه البلاد، فمضى إلى مكة وأقام بها ثم قال: ويصلون إلى هذه البلاد ولا يحجون، ما أنا إلا هربت منه إليه، ثم دخل اليمن، فلما رآها قال: هذه أرض لا يتركها بنو عبد المؤمن، فتوجه إلى الهند حيث أدركته منيته بها سنة 551هـ/1147م وقيل مات باليمن" [6] "."